الرئيسيةآخر الأخبارلماذا تقلق هذه الصورة علماء البيئة

لماذا تقلق هذه الصورة علماء البيئة

عادة ما يكون اللون الأخضر خبراً جيداً. فهو يرتبط بالحياة وتجدد الطبيعة وعودة الغطاء النباتي، لكن ظهور اللون الأخضر واتساعه في بعض أجزاء القارة القطبية الجنوبية، أنتاركتيكا، يطرح بالنسبة إلى العلماء سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا يحدث في واحدة من أبرد البيئات على وجه الأرض؟

ويرى الخبير البيئي حمدي حشاد أن الصورة التي تظهر مناطق خضراء وسط المشهد الأبيض الهائل لأنتاركتيكا تستحق التوقف عندها، ليس لأن وجود النباتات في القارة أمر جديد، وإنما لأن اتساع المساحات التي تستطيع النباتات، وخصوصاً الحزازيات، الاستقرار والنمو فيها قد يكون مؤشراً على تغير الظروف البيئية في المنطقة.

وتشير دراسة علمية نشرتها مجلة نيتشر جيوساينس إلى وجود اتجاه نحو زيادة الغطاء النباتي في أجزاء من شبه الجزيرة القطبية الجنوبية، اعتماداً على تحليل صور التقطتها أقمار صناعية بين عامي 1986 و2021. وقدّرت الدراسة المساحة التي يرجح وجود غطاء نباتي فيها بنحو 0.86 كيلومتر مربع سنة 1986، مقابل نحو 11.95 كيلومتر مربع سنة 2021، مع تسارع نسبي في معدل التوسع خلال السنوات الأخيرة من فترة الدراسة.

ويفسر حشاد أهمية هذه الأرقام بطبيعة المكان نفسه.

« في أي مكان آخر في العالم قد نرى توسعاً في الغطاء النباتي فنعتبره خبراً إيجابياً، لكن في أنتاركتيكا علينا أن نسأل أولاً: لماذا أصبحت الظروف أكثر ملاءمة لنمو النباتات؟ » يقول حشاد.

فشبه الجزيرة القطبية الجنوبية ليست بيئة عادية. درجات الحرارة المنخفضة، الجليد، محدودية المياه السائلة وقصر موسم النمو كانت لعقود عوامل تحد من انتشار النباتات. ولذلك فإن تغير هذه الظروف، حتى بصورة تدريجية، يمكن أن يفتح مساحات جديدة أمام الحياة النباتية.

والحزازيات هي من أهم الكائنات النباتية التي تقف وراء هذا « الاخضرار » في المناطق الخالية من الجليد. وهي قادرة على الاستقرار فوق الصخور والأسطح العارية، ومع تراكم نموها العضوي يمكن أن تساهم تدريجياً في تكوين ركائز أكثر ملاءمة لنمو كائنات ونباتات أخرى. وقد أشارت الدراسة إلى أن الحزازيات يمكن أن تلعب دوراً في تكوين التربة وتهيئة الظروف لاستعمار نباتات أعلى.

لكن حشاد يحذر من قراءة الصورة بطريقة مبسطة.

« لا يعني ظهور اللون الأخضر أن أنتاركتيكا تتحول إلى قارة خضراء، ولا يعني بالضرورة أن النظام البيئي أصبح أكثر صحة. نحن أمام مناطق نباتية محدودة جداً مقارنة بمساحة القارة، لكن أهميتها تكمن في المكان الذي تظهر فيه وفي التغيرات التي قد تقف وراء توسعها. »

وتؤكد وكالة ناسا أن تحليل بيانات الأقمار الصناعية أظهر زيادة بأكثر من عشرة أضعاف في مساحة الأراضي ذات الغطاء النباتي في شبه الجزيرة القطبية الجنوبية منذ عام 1986، وأن الحزازيات تشكل جزءاً رئيسياً من هذه المناطق الخضراء. كما ربط الباحثون بين انحسار الأنهار الجليدية وارتفاع درجات الحرارة وبين توفر فرص أكبر للنباتات للاستقرار في مناطق كانت مغطاة بالجليد أو الثلوج.

لكن هل كل ما يظهر في صور الأقمار الصناعية يمثل « اخضراراً » حقيقياً؟

هنا تظهر نقطة علمية مهمة.

فدراسة نشرت سنة 2025 في مجلة التغير البيولوجي العالمي أثارت تحفظات بشأن بعض تقديرات « اخضرار » أنتاركتيكا، مشيرة إلى صعوبة استخدام مؤشرات الأقمار الصناعية وحدها لقياس الغطاء النباتي في بيئة تختلف جذرياً عن القطب الشمالي، حيث تكون النباتات في أنتاركتيكا صغيرة ومتقطعة وبطيئة النمو، كما أن توافر الصور الخالية من السحب خلال الفترات التاريخية ليس متساوياً دائماً.

وهذا يعني أن اللون الأخضر الذي نراه في صورة فضائية مهم، لكنه ليس وحده كافياً لإصدار حكم نهائي على حجم التغير البيئي.

ويقول حشاد إن السؤال الأهم ليس فقط: « هل أصبحت هناك مناطق أكثر خضرة؟ »، وإنما:

لماذا أصبحت أكثر خضرة؟ وهل يتواصل هذا الاتجاه؟ وما الذي سيحدث للنظام البيئي إذا استمر ارتفاع الحرارة؟

فالاحترار يمكن أن يطيل الفترة التي تسمح للنباتات بالنمو، كما أن تغير معدلات ذوبان الثلوج وتوفر الرطوبة يمكن أن يخلق ظروفاً أكثر ملاءمة للحزازيات وغيرها من الكائنات النباتية.

لكن التغير لا يتوقف عند حدود النباتات.

إذا توسعت المساحات الخالية من الجليد وأصبحت الظروف أكثر ملاءمة للحياة، فقد تصبح هذه المناطق مستقبلاً أكثر قابلية لاستقرار أنواع جديدة. وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى علماء البيئة: الأنواع الدخيلة التي قد تصل مع النشاط البشري المتزايد في القارة القطبية الجنوبية.

فكلما زاد حضور الإنسان في البيئات القطبية، من خلال البحث العلمي والسياحة والنقل، يصبح الحفاظ على العزلة البيولوجية لهذه المناطق أكثر أهمية.

وبالنسبة إلى حشاد، فإن ما يحدث في أنتاركتيكا يجب ألا يُقرأ من خلال صورة واحدة فقط.

« اللون الأخضر في حد ذاته ليس المشكلة. المشكلة هي التغير في الشروط التي جعلت هذا اللون ممكناً في مكان كان لوقت طويل شديد القسوة على الحياة النباتية. »

ومن هنا، فإن الصورة التي تبدو للوهلة الأولى جميلة وسط بياض القارة الجليدية قد تحمل سؤالاً بيئياً أكبر بكثير:

إذا كانت النباتات بدأت تجد مساحة أكبر في أنتاركتيكا، فكيف ستبدو هذه المناطق بعد عقود إذا استمر الاحترار؟ وهل ستتمكن الأنواع المحلية من التأقلم مع سرعة التغير؟ وهل يمكن أن تتحول المساحات الخالية من الجليد إلى بوابة لدخول أنواع جديدة وتغيير التوازن البيئي الهش في القارة؟

أسئلة لا يمكن للصورة وحدها أن تجيب عنها، لكنها تجعل اللون الأخضر في أنتاركتيكا إشارة تستحق المراقبة العلمية الدقيقة، لا مجرد مشهد جميل وسط الجليد.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى