شهدت منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إخبارية متعددة موجة واسعة من الجدل إثر صدور قرار بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية يقضي بالترخيص في الإحالة الكلية للحقوق والالتزامات الخاصة بامتياز استغلال المحروقات « المنزه » لفائدة شركة « اكزويل أس أ » . ومع انتشار المنشورات التي تزعم « تفريط الدولة التونسية » في حقل نفطي عملاق ينتج ملايين البراميل لصالح شركة أمريكية، تظهر الحقائق القانونية والسجلات الفنية الرسمية واقعاً مختلفاً تماماً، يكشف أن الحقل آل لاستثمار تونسي خاص بنسبة 100% بغرض إنقاذه من الإغلاق والتعطيل الفني.
دحض الشائعة: « اكزويل » شركة تونسية خالصة
أولى المغالطات التي جرى تداولها هي إلباس شركة « اكزويل أس أ » الهوية الأمريكية. وبالعودة إلى السجل الوطني للمؤسسات وبيانات وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، فإن « اكزويل » هي شركة خاصة تونسية بالكامل يعود تأسيسها وإدارتها إلى رجل الأعمال التونسي المعروف فريد عباس وأبنائه. وتنشط هذه المجموعة الاستثمارية في قطاعات الملاحة البحرية والطاقة داخل تونس منذ عقود. ويعود سبب اللبس والشائعات إلى خلط في قراءة التسلسل المذكور في نص القرار الوزاري؛ حيث كانت هناك شركات أجنبية (مثل ماراطون بتروليوم) مرتبطة بالاتفاقيات التاريخية للمنطقة في التسعينيات، قبل أن تؤول الرخص عبر سلسلة تنازلات وتغيير تسميات إلى مستثمرين محليين.
الحقيقة التقنية: حقل هامشي متواضع الإنتاج وليس عملاقاً
ادعت المنشورات المتداولة أن طاقة إنتاج حقل « المنزه » تتراوح بين 2.2 و2.4 مليون برميل سنوياً، وهو رقم فلكي لا يمت للواقع الفني بصلة. فحقل « المنزه » المصنف بكونه حقولًا هامشية يقع في خليج الحمامات، وهو حقل صغير جداً ومحدود المردودية الاقتصادية، وتكاد طاقته الإنتاجية الفعلية لا تمثل سوى جزء ضئيل للغاية من الأرقام المنشورة، ومخزونه لا يبرر حتى إقامة منشآت إنتاج دائمة ضخمة، بل يعتمد المستثمرون فيه عادة على استئجار معدات وأنظمة إنتاج وتخزين مؤقتة ومتنقلة.
لماذا لم تشارك الدولة عبر « المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية »؟
السؤال الأبرز الذي طرحه الشارع التونسي هو: لماذا تخلت الدولة عن حصتها في هذا الحقل؟ الجواب يحمله نص القرار الرسمي نفسه بالرائد الرسمي، والذي يوضح أن هذا الانسحاب ليس فجائياً ولا غامضاً، بل يعود إلى محضر مجلس إدارة « المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية » رقم 108 المؤرخ في 1 فيفري 2001. في ذلك الوقت، اتخذت المؤسسة الحكومية قراراً استراتيجياً بعدم المشاركة في عمليات تطوير حقل « المنزه » نظراً لضعف جدواه الاقتصادية وارتفاع المخاطر المالية مقابل العوائد المتوقعة، مفضلة توجيه الميزانيات العمومية نحو حقول أخرى أكثر إنتاجية ومردودية. وبالتالي، فإن الدولة لم تبع حصة قائمة، بل أكدت مجدداً عدم رغبتها في الدخول كشريك مالي بموجب مراسلتها المؤرخة في 3 سبتمبر 2024.
إفلاس الشريك الأجنبي السابق والحل القانوني
الدافع المباشر لصدور هذا القرار في الرائد الرسمي هو تسوية وضعية قانونية معقدة كادت تعصف بالحقل وتغلقه نهائياً. فالشريك الأجنبي السابق الذي كان يستغل الرخصة إلى جانب « اكزويل » وهي شركة « أكوماد بتروليوم قرمبالية المحدودة » (التابعة للمجموعة الأم كانداكس إنرجي المحدودة)، واجهت صعوبات مالية حادة أدت إلى إعلان إفلاسها رسمياً بموجب مراسلة مؤرخة في 24 جوان 2021. أمام هذا الشلل الفني والقانوني، وفي إطار الحفاظ على استمرار الأنشطة البترولية واستخلاص الالتزامات، تقدمت شركة « اكزويل » التونسية بمطلب رسمي في 18 جانفي 2024 لتعديل قرار التأسيس القديم الصادر عام 2000، لتتحمل بمفردها وبنسبة 100% كامل الحقوق، والالتزامات، والمخاطر الفنية والمالية المترتبة على تطوير الحقل وإنتاجه دون تحميل ميزانية الدولة التونسية أي أعباء.
وقد نال هذا الملف مساراً رقابياً متكاملاً، حيث حظي بموافقة الإدارة العامة للمحروقات، ومصادقة المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية، تلاها فحص دقيق وإبداء رأي بالموافقة من قِبل « اللجنة الاستشارية للمحروقات » خلال جلستها المنعقدة في 27 سبتمبر 2024، ليختتم المسار بصدور القرار الإداري تحت توقيع سلطة الإشراف في وزارة الصناعة والمناجم والطاقة لإنهاء الملف القانوني بشكل نهائي.
