تحت وطأة حزن ثقيل يلفّ معتمدية المتلوي بولاية قفصة، وتحديداً منطقة « تبديت »، تواصل فرق الحماية المدنية والحرس الوطني، بمساندة لافتة من أهالي المنطقة، عمليات تمشيط واسعة النطاق في عمق وادي « الثالجة » الوعر. الهدف واحد والمشاعر ممزوجة بالقلق والرجاء: العثور على الأب محمد بن أحمد الفجراوي، المعروف في أوساط أهالي الجهة بلقب «العايش»، وابنه الشاب، اللذين جرفتهما السيول الجارفة منذ مساء السبت الماضي، إثر موجة الأمطار الأخيرة التي تحولت إلى فيضانات مفاجئة.
بدأت فصول هذه الفاجعة الإنسانية عندما انقطع الاتصال بالأب وابنه عقب خروجهما على متن دراجة نارية. ومع اشتداد تدفق المياه وتدحرج السيول من المرتفعات، تحول الوادي إلى مجرى هادر لا يرحم. ولم تمرّ ساعات حتى عثرت فرق الإنقاذ على بقايا الدراجة النارية محطمة بين الصخور والأوحال، وهو المشهد الذي أدمى قلوب عائلتهما وجيرانهم، وزاد منسوب المخاوف، لكنه لم يقطع حبال الأمل المتمسكة بالمعجزة.
خلف الأرقام والبيانات الرسمية، تتجلى قصة تضامن إنساني ملحمي؛ إذ لم يتأخر أهالي المتلوي عن تلبية نداء الواجب الأخلاقي والقرابة. وفي إطار مواصلة هذه الجهود المضنية، تقرر رسمياً تعزيز الفرق المشاركة في عمليات التمشيط والبحث ليوم غدٍ الثلاثاء، من خلال استنفار واسع يضم فرقاً من الحرس الوطني القادمة من الولايات المجاورة، وأعوان الغابات، إلى جانب التواجد المكثف لفرق الحماية المدنية والمتطوعين من أهالي المنطقة الذين يرفضون ترك العائلة وحيدة في هذه المحنة.
وقد حُددت الساعة السادسة صباحاً (06:00) من فجر غدٍ موعداً لانطلاق « الفزعة » الجماعية، حيث ستكون منطقتا « قويفلة » والثالجة نقطة التجمع الأساسية لجميع القوى المشاركة.
وفي لفتة تعكس وعي الأهالي وتنظيمهم العالي وسط الأزمة، وُجه نداء عاجل إلى جميع المتطوعين بضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والجاهزية، من خلال جلب قوارير المياه لإمداد الأعوان والمشاركين وسط القيظ، وارتداء أحذية قوية ومناسبة للتعامل مع التضاريس القاسية والركام والطمي الذي خلفته السيول، مع تشديد السلطات على أهمية الالتزام الكامل بتعليمات الحماية المدنية والحرس الوطني وعدم المجازفة بالدخول إلى النقاط الخطرة.
ومع حلول ظلام هذه الليلة، تظل العيون شاخصة نحو مجرى الوادي، والقلوب تلهج بالدعاء، بانتظار خيوط الفجر التي يأمل الجميع أن تحمل معها خبراً يثلج الصدور وينهي ساعات الانتظار المريرة لعائلة « العايش ».
