في الوقت الذي تشهد فيه العاصمة الفرنسية باريس ومدن أخرى مسيرات حاشدة لطلاب المدارس الثانوية والجامعات احتجاجاً على تدهور المنظومة التعليمية، خطفت لافتة كُتبت بخط اليد وبعبارات هجينة الأضواء، لتتحول سريعاً إلى الشعار الأبرز والأكثر تداولاً في الحراك الطلابي الحالي.
العبارة التي باتت تتصدر لافتات المحتجين في الشوارع وتملأ منصات التواصل الاجتماعي تقول بالحرف
: « Bismillah, c’est les ténèbres! »
. (بسم الله، إنها الظلمات!)
رغم أن الجملة تبدو للوهلة الأولى عبثية ولا تحمل أي سياق سياسي أو مطلبي، إلا أن القصة الكامنة وراءها تكشف عن معركة رقمية طريفة سقطت فيها أجهزة الأمن في فخ « الجهل بلغة الجيل الجديد ».
فخ « سناب شات » والشرطي الافتراضي
بدأت الحكاية على تطبيق « سناب شات »، المنصة المفضلة التي يعتمد عليها المراهقون والطلاب الفرنسيون لتنظيم صفوفهم وتنسيق عمليات إغلاق المدارس والمقاطعة الدراسية. ولأن السلطات الأمنية كانت تسعى جاهدة لرصد التحركات الاستباقية ومنع التجمعات المفاجئة، حاول بعض العناصر التسلل إلى المجموعات الطلابية المغلقة بأسماء مستعارة.
لكن المحاولة الأمنية اصطدمت بضعف شديد في مجاراة لغة الشارع والشباب. حيث عمد أحد الحسابات الوهمية (الذي حمل اسماً مستعاراً وصورة لرمز تعبيري يحمل العلم الجزائري) إلى إرسال رسالة لأحد الطلاب بغية إقناعه بضمه للمجموعة. وجاء نص الرسالة مزيجاً ركيكاً ومشحوناً بالصور النمطية القاسية: « مرحباً! بسم الله إنها الظلمات.. متى الاحتجاج والله يا أخي؟ سنكسر كل شيء، أرجوك أضفني إلى مجموعة الاحتجاج عيشك (أرجوك) ».
« الإمبراطور عارٍ ».. جغرافيا فضحت المستور
لم يقتصر الأمر على كتابة جملة « بسم الله إنها الظلمات » التي لا تعني شيئاً من الناحية اللغوية أو الثقافية، وتوظيف كلمات دينية في سياق غريب، بل ارتكب المخترق الأمني خطأً فادحاً أطاح بالعملية برمتها؛ حيث نسي إغلاق خاصية « الخريطة والموقع الجغرافي » (سناب ماب) على التطبيق، ليظهر موقعه بوضوح تام وهو يرسل الرسالة من داخل مركز شرطة « إكس أون بروفانس » جنوب فرنسا.
بمجرد أن التقط الطلاب لقطة شاشة للمحادثة مع الموقع الجغرافي للمركز الأمني، انتشرت الصورة كالنار في الهشيم على منصتي « تيك توك » و »إنستغرام ». واعتبر الطلاب أن هذا الأسلوب لا يعكس فقط محاولة ت جسس فاشلة، بل يحمل خلفيات وصوراً نمطية عنصرية من السلطات التي تعتقد واهمة أن كل مراهق في ضواحي فرنسا يتحدث حتماً بخلط كلمات عربية مشوهة مع الفرنسية.
من ميم رقمي إلى شعار ثوري ساخر
سريعا، قرر الطلاب تحويل الإهانة ومحاولة التسلل إلى أداة للسخرية والتهكم على جهاز الشرطة؛ فخرجت العبارة من شاشات الهواتف لتستقر كعنوان عريض على لافتات الكرتون في طليعة المظاهرات، كطريقة ذكية ومبتكرة لإخبار السلطات بـ: « نعلم أنكم تراقبوننا، ونعلم كم أنتم عاجزون عن فهمنا ».
ولم يقف التضامن عند حدود الطلاب، بل امتد ليشمل قوى ونقابات عمالية فرنسية، وحتى ناشطين دوليين؛ حيث ظهرت الناشطة البيئية السويدية الشهيرة « غريتا تونبرغ » في مقطع فيديو داعم للطلاب الفرنسيين وهي تبتسم وتردد بحماس ذات الشعار: « بسم الله، إنها الظلمات! ».
يرى خبراء علم الاجتماع في فرنسا أن نجاح هذا الشعار يعود إلى قدرة الجيل الحالي ( جيل زاد) على استخدام السخرية الهدامة والـ مام » كأداة سياسية فعالة. إن رفع لافتة « بسم الله إنها الظلمات » في وجه قوات مكافحة الشغب هو الرسالة الأكثر بلاغة من هذا الجيل، والتي يقولون من خلالها إن السلطة التي تحاول قمعهم تبدو اليوم، في نظرهم، « عارية وراديكالية ومضحكة » في آن واحد.
