لم يعد ملف الإدمان في تونس مجرد قضية أمنية مرتبطة بحجز كميات من المواد المخدرة، بل أصبح تحديا صحيا واجتماعيا متناميا دفع وزارة الصحة إلى التحرك نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للعلاج والوقاية، في وقت تشير فيه المؤشرات المتوفرة إلى ارتفاع استهلاك المواد المخدرة والمواد المؤثرة على العقل، وظهور أصناف جديدة يتم ضبطها بشكل متواصل.
وتأتي هذه التحركات في ظل إعلان وزارة الصحة عن استكمال إرساء شبكة وطنية تضم خمسة مراكز لعلاج الإدمان موزعة على مختلف الأقاليم، إلى جانب إنجاز دراسة وطنية خلال سنتي 2026 و2027 لتحديد حجم الظاهرة بشكل أكثر دقة، وتشمل الفئة العمرية بين 15 و65 سنة.
القنب الهندي… المادة الأكثر حضورا
تشير آخر الدراسات الوطنية المتوفرة حول استهلاك المواد المؤثرة عقليا، خاصة لدى فئة التلاميذ بين 15 و17 سنة، إلى أن القنب الهندي، المعروف شعبيا باسم « الزطلة »، يبقى من أكثر المواد المخدرة انتشارا في تونس.
وقد أظهرت الدراسات المنجزة بين سنوات 2013 و2021 ارتفاعا كبيرا في استهلاك القنب الهندي، حيث تضاعف استهلاكه أربع مرات خلال تلك الفترة، وهو ما يعكس انتقال هذه المادة من ظاهرة محدودة إلى مشكلة صحية واجتماعية أكثر اتساعا.
ويعود انتشار القنب الهندي إلى عدة عوامل، من بينها سهولة تداوله مقارنة بمواد أخرى، وانخفاض كلفته نسبيا، إضافة إلى اعتقاد بعض المستهلكين خطأ بأنه أقل خطورة من المخدرات الأخرى، رغم ارتباطه بمخاطر صحية ونفسية خاصة لدى الفئات العمرية الصغيرة.
الأقراص المخدرة… صعود مقلق لظاهرة جديدة
إلى جانب القنب الهندي، أصبحت الأقراص المخدرة من أبرز المواد التي تثير قلق السلطات الصحية والأمنية في تونس.
وتشير المعطيات الرسمية إلى تضاعف استهلاك الأقراص المخدرة أربع مرات بين 2013 و2021، مع تسجيل نسب استعمال أعلى لدى الإناث مقارنة ببعض المواد الأخرى.
ويكمن خطر هذه الأقراص في تنوعها وتغير تركيبتها، إذ يمكن أن تحتوي على مواد تؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي، كما أن بعض الأنواع يتم تداولها تحت أسماء مختلفة تجعل التعرف عليها أكثر صعوبة بالنسبة للأسر والمحيط المدرسي.
مواد جديدة تدخل دائرة الخطر
لم يعد المشهد مقتصرا على المواد التقليدية، إذ تؤكد وزارة الصحة أن المصالح المختصة تقوم باستمرار بحجز مواد جديدة مؤثرة على العقل.
ويطرح هذا التطور تحديا إضافيا، لأن سرعة ظهور مواد جديدة قد تتجاوز أحيانا قدرة الهياكل الصحية على التشخيص والعلاج، وهو ما يجعل الحاجة ملحة إلى تحيين المعطيات ووضع سياسات مبنية على دراسات علمية دقيقة.
من الاستهلاك إلى الإدمان… رحلة تبدأ غالبا في سن مبكرة
تكشف التجارب الطبية أن الإدمان لا يبدأ دائما بصورة واضحة، بل قد ينطلق من تجربة أو استعمال متقطع يتحول تدريجيا إلى سلوك يصعب التحكم فيه.
وتؤكد المختصون أن العلامات الأولى قد تظهر من خلال تغيرات في السلوك، مثل العزلة الاجتماعية، تراجع الأداء الدراسي أو المهني، اضطرابات النوم، فقدان الاهتمام بالنشاطات المعتادة، أو ظهور تغيرات في المزاج والسلوك.
ولهذا تراهن وزارة الصحة على تعزيز دور أطباء الخط الأول وأطباء الأسرة باعتبارهم الأقرب إلى اكتشاف الحالات المبكرة وتوجيه أصحابها نحو العلاج.
نقص المراكز… الحلقة الأضعف في مواجهة الظاهرة
رغم تنامي الحاجة إلى خدمات علاج الإدمان، فإن تونس ما تزال تواجه نقصا في عدد المراكز المختصة.
ويعد مركز « الأمل » بجبل الوسط حاليا المركز الوحيد النشط في مجال العلاج المتخصص، وفق المعطيات المقدمة، لكنه لا يوفر خدمات الإقامة، في حين تحتاج بعض الحالات إلى متابعة داخلية وإحاطة متخصصة لفترات معينة.
ومن المنتظر أن تتعزز المنظومة بإعادة تأهيل مركز صفاقس وإحداث ثلاثة مراكز جديدة بكل من دقة من ولاية باجة والمنستير وإحدى ولايات الجنوب التونسي.
الإدمان لم يعد مرتبطا بالمخدرات فقط
وفي تطور يعكس اتساع مفهوم الإدمان، يشير المختصون إلى أن الظاهرة تشمل أيضا ما يسمى بالإدمان السلوكي، مثل الاستخدام المفرط للشاشات والألعاب الإلكترونية وبعض السلوكيات التي تتحول إلى ممارسات قهرية تؤثر على حياة الفرد وعلاقاته.
دراسة وطنية مرتقبة لرسم خريطة الإدمان
تأمل وزارة الصحة من خلال الدراسة الوطنية المنتظرة في 2026 و2027 في تجاوز نقص المعطيات الدقيقة حول حجم الظاهرة وأنواع المواد الأكثر استهلاكا والفئات الأكثر عرضة لها.
فالمعركة ضد الإدمان لم تعد تقوم فقط على ملاحقة شبكات الترويج، بل أصبحت تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية والعلاج والتوعية وإعادة الإدماج الاجتماعي.
وفي انتظار نتائج الدراسة الجديدة، تبقى المؤشرات الحالية واضحة: القنب الهندي والأقراص المخدرة هما في مقدمة المواد التي تشكل تحديا صحيا في تونس، لكن تطور أنماط الاستهلاك وظهور مواد جديدة يجعلان من ملف الإدمان قضية وطنية متحركة تحتاج إلى استجابة مستمرة.



