الرئيسيةآخر الأخبارمحامون: الفصل 24 تغيّر.. لكن شبح السجن ما يزال قائماً

محامون: الفصل 24 تغيّر.. لكن شبح السجن ما يزال قائماً

لم يكن تنقيح الفصل 24 من المرسوم عدد 54 لسنة 2022، الصادر اليوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026، مجرد تغيير في نوع العقوبة بالنسبة إلى عدد من المحامين، بل فتح من جديد نقاشاً قانونياً واسعاً حول حدود التجريم، وحرية التعبير، ومآل الأحكام السابقة، وحتى كيفية تنفيذ الخطايا المالية.

فالتنقيح الجديد أنهى العقوبة السجنية بالنسبة إلى الحالة الأولى، واستبدلها بخطية تتراوح بين 10 آلاف و20 ألف دينار، فيما أبقى على عقوبة سالبة للحرية في حالة العود، في حدود ستة أشهر، إلى جانب خطية قدرها 50 ألف دينار.

لكن هذا التغيير لم يضع حداً للأسئلة التي رافقت الفصل 24 منذ إدراجه ضمن المرسوم 54.

نافع العريبي: «المشكل في وجود الفصل 24 أصلاً»

المحامي نافع العريبي اعتبر أن الإشكال لم يكن يوماً في نوع العقوبة، سواء كانت سالبة للحرية أو مالية، وإنما في وجود الفصل 24 نفسه داخل المرسوم 54.

ويرى العريبي أن الفصل يطرح إشكالات جدية بالنسبة إلى منظومة الضمانات المتعلقة بحرية الرأي والتعبير، مستنداً في ذلك إلى الفصل 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإلى المعايير الحقوقية المرتبطة باتفاقية بودابست لمكافحة الجريمة السيبرنية، فضلاً عن الصكوك الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.

كما يثير، وفق قراءته، مسألة التناسب في التجريم والعقاب في ضوء الضمانات الدستورية المتعلقة بالحقوق والحريات.

ويذهب العريبي إلى أن تخفيف العقوبة لا يعالج أصل الإشكال، لأن السؤال بالنسبة إليه يتعلق أساساً بمدى الحاجة إلى بقاء الفصل 24 ضمن المرسوم 54.

وأشار كذلك إلى أن هذا الدفع كان من بين المطاعن التي أثيرت في مرافعات التعقيب الأخيرة في إحدى القضايا المرتبطة بالمرسوم 54.

عماد بن حليمة: الخشية من العودة إلى الفصل 86

أما المحامي عماد بن حليمة، فيلفت إلى إشكال آخر قد يبرز بعد تنقيح الفصل 24، ويتعلق بالعلاقة بينه وبين الفصل 86 من مجلة الاتصالات.

ويحذر بن حليمة من إمكانية عودة النيابة العمومية أو القضاء إلى تطبيق الفصل 86 في قضايا تتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، وهو النص الذي يتضمن عقوبة سالبة للحرية.

ويستند هذا التخوف إلى جدل قضائي سابق حول مدى انطباق أحكام مجلة الاتصالات على شبكات التواصل الاجتماعي الحديثة، في ظل وجود أحكام وقراءات قضائية مختلفة بشأن هذه المسألة.

وبالتالي، فإن الانتقال بالفصل 24 من العقوبة السجنية إلى الخطية قد لا ينهي، وفق هذا الطرح، مشكلة العقوبة السالبة للحرية إذا أمكن تطبيق نص آخر على الوقائع نفسها.

كمال أبركان: ماذا يحدث عند عدم دفع الخطية؟

من جهته، طرح المحامي كمال أبركان زاوية أخرى تتعلق بتنفيذ العقوبة المالية.

وقال في تعليقه على التنقيح الجديد: «التنقيح الجديد للمرسوم 54 خطية 20 مليون… يعني كل تأخير بيوم جبر بالسجن… ينجم يلم 30 سنة».

ويثير تصريح أبركان مسألة ما قد يترتب عن عدم دفع الخطية أو التأخير في تنفيذها، وما إذا كان ذلك يمكن أن يؤدي، وفق قواعد تنفيذ العقوبات المالية، إلى السجن بديلاً عن عدم الدفع.

ويحتاج هذا الجانب إلى قراءة دقيقة للقواعد القانونية المنظمة لتنفيذ الخطايا وكيفية احتساب السجن البديل، ولذلك فإن رقم «30 سنة» الذي أورده أبركان يبقى تقديراً وتحذيراً منه، وليس مدة يقررها الفصل 24 الجديد بصورة مباشرة.

لكن أهمية هذه الملاحظة تكمن في أنها تنقل النقاش من العقوبة الأصلية التي يقررها الفصل 24 إلى كيفية تنفيذها فعلياً.

عبد الستار المسعودي: وماذا عن المحكوم عليهم سابقاً؟

أما المحامي عبد الستار المسعودي، فقد أثار ملفاً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بمصير الأشخاص الذين صدرت ضدهم أحكام سابقة بموجب المرسوم 54.

ويطرح المسعودي تساؤلاً حول مدى إمكانية استفادة المحكوم عليهم من التنقيح الجديد، باعتبار أن القانون الجديد يتضمن أحكاماً أخف من تلك التي كانت قائمة عند صدور الأحكام.

وهنا يبرز مبدأ القانون الأصلح للمتهم، غير أن تطبيقه على الأحكام السابقة، وخاصة الأحكام الباتة، يظل مسألة قانونية تحتاج إلى تحديد دقيق لنطاق النص الجديد وقواعد تنفيذ الأحكام الجزائية.

وبذلك، فإن دخول التنقيح حيز النفاذ لا يعني بالضرورة أن وضعية جميع المحكوم عليهم سابقاً ستتغير آلياً، وإنما يفتح الباب أمام نقاش قانوني وقضائي حول الحالات التي يمكن أن تستفيد من التشريع الجديد.

ماذا تغير فعلياً؟

التنقيح الجديد أحدث تغييراً واضحاً في سلم العقوبات.

فالعقوبة في الحالة الأولى لم تعد سجناً، وإنما أصبحت خطية من 10 آلاف إلى 20 ألف دينار، في حين بقيت العقوبة السجنية قائمة في حالة العود، في حدود ستة أشهر، مع خطية قدرها 50 ألف دينار.

كما تم التخلي عن ظرف التشديد المرتبط بصفة المتضرر، الموظف العمومي أو شبهه، بالصورة التي كانت قائمة في النص السابق، مع الإبقاء على أحكام تشديد في الصياغة الجديدة وفق الحالات التي يحددها النص.

لكن المحامين الأربعة يفتحون، كل من زاويته، ملفات تتجاوز مجرد قيمة الخطية أو مدة السجن.

نافع العريبي يركز على أصل التجريم ووجود الفصل 24.

عماد بن حليمة يحذر من إمكانية اللجوء إلى الفصل 86 من مجلة الاتصالات.

كمال أبركان يثير مسألة تنفيذ الخطية وما قد ينجر عنها عند عدم الدفع.

أما عبد الستار المسعودي فيضع على الطاولة سؤال المحكوم عليهم سابقاً ومدى استفادتهم من القانون الجديد.

وهكذا، فإن تنقيح الفصل 24 قد يكون أنهى جزءاً من الجدل المتعلق بالعقوبة السجنية في الحالة الأولى، لكنه في المقابل فتح مجموعة جديدة من الأسئلة القانونية التي ستتوقف الإجابة عنها، في جزء مهم منها، على كيفية تفسير النص وتطبيقه من قبل النيابة العمومية والمحاكم وقضاء تنفيذ العقوبات.

والسؤال الذي سيبقى مطروحاً خلال المرحلة المقبلة ليس فقط: كم أصبحت عقوبة الفصل 24؟، وإنما أيضاً: كيف سيُطبّق النص الجديد، وعلى من، وبأي أثر على القضايا والأحكام السابقة؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى