حين تحطّ بك الطائرة في مطار نواكشوط أم التونسي الدولي، تقع عيناك مباشرة على اسم يثير في نفس كل مسافر تونسي الفضول والدهشة. ورغم أن المطار سُمي رسمياً تخليداً لمعركة تاريخية كبرى ضد الاستعمار الفرنسي وقعت عام 1932، إلا أن السر الحقيقي المثير للاهتمام يكمن في السؤال الأبعد: لماذا كانت تسمى تلك البقعة في قلب الصحراء الموريتانية باسم « أم التونسي » حتى قبل وقوع المعركة بقرون؟
وراء هذه التسمية تقف قصة غارقة في القدم، بطلها « رجل تونسي » عابر سبيل، تحوّل إلى رمز للخير، وجعل من اسمه معلماً جغرافياً خالداً تناقلته الأجيال.
الوليّ التونسي الذي روى عطش الصحراء
تذهب الروايات الشفوية والتاريخية الأكثر دقة في موريتانيا، والتي يتداولها المؤرخون مثل الحسين ولد محنض، إلى أن المنطقة كانت قديماً مجرد فضاء رعوي قاحل يقع شمال نواكشوط الحالية، في منطقة « إنشيري » المعروفة في الموروث الموريتاني بأنها « أرض الأولياء والصالحين ».
تقول الحكاية إن رواحل رجل صالح ووليّ من أولياء الله الصالحين ينحدر من تونس، قادته الأقدار أو رحلات طلب العلم والتجارة إلى عمق بلاد الشناقطة (موريتانيا قديماً). وفي تلك الربوع الصحراوية القاسية، أقام الرجل وحفر بئراً للماء لتسقي القوافل العابرة ورعاة الإبل.
في الثقافة البدوية الموريتانية، جرت العادة على تسمية الآبار الجوفية الحيوية بـ « أمّ » متبوعة بصفة أو اسم صاحبها (مثل أم التونسي، أم الأوتاد، أم الخشب)، تعبيراً عن « الأمومة » والاحتضان والخير الذي تمنحه البئر للحياة وسط القحط. ومنذ ذلك الحين، نُسبت البئر والمنطقة المحيطة بها إلى ذلك الرجل الفاضل وعُرفت بـ بئر أم التونسي.
من بئر تفيض بالماء إلى أرض تفيض بالبطولات
عبر العقود والقرون، اندثرت البئر وغطتها رمال الصحراء المتحركة، لكن الاسم ظل منقوشاً في ذاكرة البدو وفي الخرائط الجغرافية للمنطقة. ولم يكن ذلك الوليّ التونسي يعلم أن البئر التي حفرها بدافع الإحسان والخير، ستصبح بعد مئات السنين معلماً لأشرس معركة خاضتها المقاومة الموريتانية عام 1932 لكسر شوكة الاحتلال الفرنسي.
وحين أردات موريتانيا الحديثة ردّ الجميل لتاريخها وتخليد بطولاتها، رفعت اسم هذا الموقع ليصبح واجهة لأكبر مطاراتها الدولية.
رابطة دم وروح عابرة للزمن
إن قصة هذا « التونسي المجهول » الذي حفر بئراً في أقصى الصحراء الموريتانية، تعكس بوضوح ذلك الإشعاع الروحي والثقافي الذي قاده التونسيون عبر التاريخ نحو غرب إفريقيا. لم يترك هذا الرجل خلفه قصوراً، بل ترك أثراً من ماء واسماً يتردد اليوم في أروقة الطيران الدولي ومحطات السفر العالمية.
فعندما تمر بمطار نواكشوط، تذكر دائماً أن وراء هذا الاسم الفخم قصة إنسان تونسي، ترك بلاده ليصنع الحياة في أرض شقيقة، فخلّدته رمالها إلى الأبد.
