بين برنامج «المواطنة الطاقية» والجباية المفروضة على الألواح.. من سيدفع فاتورة الانتقال الطاقي في تونس؟
تطرح الدعوة إلى تمكين مليون عائلة تونسية من تجهيزات الطاقة الشمسية خلال السنوات المقبلة سؤالاً أكبر من مجرد قدرة تونس على تركيب الألواح فوق أسطح المنازل: هل المنظومة الجبائية والمالية الحالية قادرة أصلاً على استيعاب مشروع بهذا الحجم، أم أن الحكومة ستكون مضطرة إلى إعادة النظر في هذه المنظومة ضمن قانون المالية لسنة 2027؟
فكرة «المواطنة الطاقية» التي تم تداولها مؤخراً تستهدف مليون عائلة تونسية، بطاقة إنتاج إجمالية تناهز 600 ميغاواط، وعلى امتداد خمس سنوات. والمقترح قدمته الغرفة الوطنية للطاقة الفولطاضوئية التابعة للاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في إطار البحث عن حلول للحد من العجز الطاقي وتخفيف الضغط على شبكة الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
لكن المفارقة تبدأ عند النظر إلى الكلفة الحقيقية التي يتحملها المواطن عند اقتناء التجهيزات.
فبحسب المعطيات المتداولة حول التعريفة الحالية، تخضع بعض التجهيزات الفولطاضوئية المستوردة، بحسب التصنيف والمنشأ، لمعاليم وأداءات مختلفة، من بينها المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة والإتاوة على الخدمات الديوانية.
وهنا يبرز السؤال: كيف تريد الدولة أن تدفع بمليون عائلة نحو الطاقة الشمسية، في الوقت الذي لا تزال فيه كلفة التجهيزات محمّلة بأعباء جبائية ترفع السعر النهائي الذي يدفعه المواطن؟
والأهم من ذلك أن المقترح نفسه يتضمن حلاً واضحاً لهذه الإشكالية، إذ دعت الغرفة الوطنية للطاقة الفولطاضوئية إلى إعفاء الألواح الشمسية والعواكس والبطاريات من المعاليم الديوانية والأداء على القيمة المضافة، إضافة إلى دعم تمويل أنظمة تخزين الكهرباء لفائدة المواطنين.
فهل يعني ذلك أن الكرة أصبحت الآن في ملعب قانون المالية لسنة 2027؟
من الناحية العملية، سيكون من الصعب إطلاق برنامج اجتماعي بهذا الحجم دون قرارات جبائية وتمويلية مرافقة. فتمكين مليون عائلة من منظومات شمسية لا يعني فقط شراء الألواح وتركيبها، وإنما يتعلق أيضاً بالعواكس، وربما البطاريات، وأعمال التركيب والصيانة، وربط الإنتاج بالشبكة، وتكوين فرق فنية قادرة على مواكبة مئات الآلاف من المنظومات.
والأمر لا يتوقف عند كلفة التجهيزات.
من سيدفع كلفة تكييف شبكة الكهرباء مع هذا العدد الهائل من المنتجين الصغار؟
هذا السؤال طرحه المختص في الطاقة عباس بالليل، رئيس «إنرجي نوكليار أند أناليسيس أوف كيبيك»، الذي اعتبر أن برنامجاً بهذا الحجم يحتاج قبل إطلاقه إلى دراسات معمقة لا تقتصر على حساب مردودية المنظومة بالنسبة إلى الفرد، وإنما تقيس انعكاساتها على المجتمع وعلى كامل المنظومة الكهربائية الوطنية.
ويطرح بالليل أيضاً مسألة الكلفة التي قد تتحملها المجموعة الوطنية لتأهيل شبكة الكهرباء وتكييفها مع إنتاج لامركزي بهذا الحجم، فضلاً عن أشكال الدعم والتمويل التي قد تتحملها ميزانية الدولة.
وهذه النقطة تحديداً تجعل قانون المالية لسنة 2027 أمام اختبار حقيقي إذا قررت الحكومة تحويل «المواطنة الطاقية» من مجرد مقترح إلى برنامج وطني.
فإما أن تتعامل الدولة مع الطاقة الشمسية باعتبارها سلعة وتجهيزاً عادياً وتواصل فرض الأعباء الجبائية نفسها، وإما أن تعتبرها أداة من أدوات الأمن الطاقي فتضع لها نظاماً جبائياً وتمويلياً استثنائياً.
والخيار الثاني هو الأقرب إلى منطق البرنامج المقترح.
لكن حتى في هذه الحالة، هناك سؤال آخر: هل يمكن فعلاً تجهيز مليون عائلة قبل صيف 2027؟
المعطيات المنشورة حول البرنامج الأصلي تشير إلى أنه يستهدف مليون عائلة على مدى خمس سنوات، وليس خلال بضعة أشهر.
وهذه نقطة مهمة جداً، لأن تقديم البرنامج باعتباره حلاً لتفادي انقطاعات الكهرباء في صيف 2027 قد يخلق توقعات أكبر من قدرته الفعلية على التنفيذ.
فالـ600 ميغاواط المستهدفة موزعة على خمس سنوات تعني، في المتوسط، نحو 120 ميغاواط سنوياً. أما إن كان المطلوب أن تكون المنظومة جاهزة بالكامل قبل صيف 2027، فإن حجم العمل والتمويل والاستيراد والتركيب والربط بالشبكة سيكون مختلفاً جذرياً.
وتونس نفسها تعمل حالياً على مشاريع كبرى للطاقة الشمسية مع التخزين. فقد أطلقت وزارة الصناعة والمناجم والطاقة طلب عروض لإنجاز محطة شمسية بقدرة 300 ميغاواط في «بازمة» بقبلي، مرفقة بنظام تخزين بالبطاريات بقدرة 150 ميغاواط/540 ميغاواط ساعة.
كما تواصل الوزارة تنفيذ جولات لتطوير مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، وأعلنت في 4 سبتمبر نتائج تقييم المشاريع المقدمة في إطار الجولة السادسة لنظام التراخيص.
وهذا يعني أن الانتقال الطاقي ليس فكرة جديدة بالنسبة إلى الدولة، وإنما التحدي الحقيقي يكمن في سرعة الانتقال من المشاريع الكبرى إلى الإنتاج اللامركزي على مستوى ملايين المنازل.
وماذا عن الألواح بعد 20 أو 25 سنة؟
هناك ملف آخر قد يبدو بعيداً اليوم، لكنه سيكون مكلفاً غداً: النفايات الشمسية.
فإذا نجحت تونس في تركيب مئات الآلاف أو ملايين الألواح، فماذا سيحدث لها عند انتهاء عمرها الافتراضي؟ ومن سيتولى جمعها ونقلها وتفكيكها وإعادة تدوير مكوناتها؟
هل ستكون هناك مساهمة مالية مسبقة من الموردين؟ وهل ستوضع منظومة لاسترجاع الألواح المستعملة؟ وهل سيتم إنشاء قطاع تونسي لإعادة تدوير هذه المعدات؟
هذه الأسئلة ليست هامشية، لأن نجاح الانتقال الطاقي لا يقاس فقط بعدد الألواح التي تم تركيبها، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على إدارة دورة حياتها كاملة.
قانون المالية 2027.. الفرصة أم الاختبار؟
إذا كانت الحكومة جادة في اعتماد «المواطنة الطاقية»، فإن قانون المالية لسنة 2027 يمكن أن يكون إحدى الأدوات الأساسية لترجمة المشروع إلى واقع.
وقد يعني ذلك، من بين أمور أخرى، مراجعة العبء الجبائي على التجهيزات الشمسية، ووضع آليات تمويل موجهة للعائلات، ودعم البطاريات والتخزين، وتبسيط إجراءات الربط بالشبكة، وربما إقرار حوافز إضافية للمواطنين الذين ينتجون جزءاً من حاجاتهم الكهربائية.
لكن تخفيف الأداءات يعني في المقابل خسارة موارد جبائية للدولة، في وقت تواجه فيه المالية العمومية ضغوطاً كبيرة.
وهنا تظهر المعادلة الأصعب:
هل توفر الدولة أموالاً اليوم عبر الجباية، ثم تنفق أكثر غداً لمواجهة أزمة الطاقة واستيراد المحروقات وإنتاج الكهرباء، أم تتنازل عن جزء من مواردها الجبائية اليوم لتقليل فاتورة الطاقة في السنوات المقبلة؟
إنها في النهاية ليست معركة بين الطاقة الشمسية والجباية، وإنما معركة حول اختيار النموذج الاقتصادي الذي ستعتمده تونس للانتقال الطاقي.
والأهم أن برنامج «المواطنة الطاقية» لا ينبغي أن يتحول إلى وعد سياسي سريع هدفه الأساسي تفادي تكرار أزمة الكهرباء في صيف 2027. فالانتقال إلى الطاقة الشمسية يحتاج إلى شبكة قادرة على استيعاب الإنتاج، وتمويل مستدام، وتشريعات واضحة، ونظام تخزين، ومراقبة تقنية، وخطة للتصرف في الألواح المستعملة.
أما إذا كان قانون المالية لسنة 2027 سيحمل فعلاً إجراءات جبائية لفائدة الطاقة الشمسية، فسيكون ذلك المؤشر الأول على أن الحكومة انتقلت من الحديث عن «المواطنة الطاقية» إلى بناء سياسة طاقية جديدة.
