تشهد الساحة الفكرية والسياسية في تونس نقاشا غير مسبوق بعد دعوة الأكاديمية والكاتبة رجاء بن سلامة إلى مراجعة ما وصفته بـ »الأكاذيب المؤسسة » التي غذّت الاستقطاب السياسي خلال السنوات التي تلت الثورة، معتبرة أن المصالحة مع الحقيقة تمثل المدخل الأساسي لبناء مستقبل أكثر استقرارا للأجيال القادمة.
وأكدت بن سلامة، في تدوينة أثارت تفاعلا واسعا، أنها لم تكن يوما منخرطة في حملات تشويه الخصوم، لكنها اعترفت بأنها صدقت في مراحل سابقة روايات كانت متداولة على نطاق واسع، قبل أن تكتشف أنها كانت جزءا من حالة عامة من التضليل السياسي والإعلامي.
وقالت إن دعوتها ليست موجهة إلى طرف سياسي بعينه، بل إلى جميع التونسيين، بمن فيهم الإسلاميون الذين دعتهم أيضا إلى ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بأخطاء المرحلة، معتبرة أن الديمقراطية لا يمكن أن تترسخ دون ثقافة المراجعة والمصارحة.
وكتبت بن سلامة » أعترف بأنّني، حتّى وإن حاولت ان أكون حذرة، قد صدّقت الكثير من اﻷكاذيب التي روّجها فاعلون سياسيّون ومدنيّون وإعلاميّون، من باب تصفية الحساب مع اﻹسلاميّين.
اعتبرت وسأعتبر الإسلاميّين خصوما سياسيّين، ولكن أرفض أنّ يكون إنتاج اﻷكاذيب أسلوبا في الصّراع معهم. من هذه الأكاذيب :
1-صرف الدّولة تعويضات مجزية للإسلاميّين. هذا لم يحدث. حصلت تسويات لبعض المسارات المهنيّة فقط. طالب الهاروني قبيل 25 جويلية 2021 بهذه التّعويضات، وكان ذلك خطأ سياسيّا فادحا ﻷنّ التّونسيّين كانوا آنذاك يموتون باﻵلاف بجائحة الكورونا.
2-تلقّي وزير الخارجيّة اﻷسبق، وصهر راشد الغنوشي رفيق عبد السّلام هبة بمليار لحسابه الشّخصيّ.
3-اتّهام حركة النّهضة بتدبير اغتيال الشهيدين بالعيد والبراهمي، والحال أنّ القضاء التّونسيّ نفسه لم يثبت هذه التّهمة.
4- شيطنة هيئة الحقيقة والكرامة ونسبة اختلاس المال العام إلى رئيستها التي تواجه اليوم عقوبة سجنيّة قاسية.
أدعو مجدّدا إلى نقد ذاتيّ يسمح بتحريرنا من أكاذيب قاتلة، ومن تلاعب بالعقول ساهمت فيه الشّبكات الاجتماعيّة بدرجة كبرى.
ليس لي من طموح سوى المساهمة في إعداد مستقبل أفضل للأجيال القادمة، وفي التّمهيد لحالة تصالح ومصارحة نطوي بها صفحة الاحتراب والقمع. »
وفي السياق نفسه، وسّع الصحفي كمال الشارني دائرة النقاش، داعيا إلى ما يشبه « جلسة اعتراف وطنية » يشارك فيها الصحفيون والمثقفون والسياسيون، يكشف خلالها كل طرف الروايات التي ساهم في تصديقها أو ترويجها، وكيف تحولت مع مرور الوقت إلى ما يشبه الحقائق الراسخة في الوعي الجماعي.
واعتبر الشارني أن تونس عاشت سنوات طويلة تحت تأثير عشرات الروايات التي انتشرت دون تحقق كاف، واقترح أن يتولى كل فاعل إعلامي أو سياسي تفكيك « كذبة أو اثنتين » لمعرفة ظروف صناعتها، والجهات التي روجت لها، والمستفيدين منها، والأسباب التي جعلت الرأي العام يتقبلها.
روايات صنعت الاستقطاب
ومن بين الأمثلة التي استعرضها كمال الشارني، باعتبارها من أكثر الروايات التي راجت خلال سنوات الاستقطاب السياسي، الحديث عن:
- وجود قرض بقيمة 100 مليار دولار حصلت عليه تونس دون فوائد أو ضمانات.
- العثور على ألف قنطار من الألماس مخزنة في مستودع روماني تحت الأرض.
- الرواية التي زعمت أن الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي كان يشرب الخمر داخل قصر قرطاج ويطلب من أعوان الأمن الرئاسي جلب « الحمص »، وهي من أكثر القصص التي انتشرت خلال فترة رئاسته.
- روايات أخرى تحدثت عن حياة شخصية للرئيس الأسبق ونسبت إليه وقائع لم تثبت صحتها.
- مزاعم ما عرف بـ »جهاد النكاح » التي ادعت وجود شبكات تونسية لتسفير فتيات إلى سوريا من أجل الاستغلال الجنسي.
- روايات نسبت إلى سمية الغنوشي احتكار توريد خرفان العيد وعلب الحليب والإشراف على شبكات التسفير.
- أرقام ضخمة ومتداولة حول ثروة راشد الغنوشي دون تقديم أدلة موثقة عليها.
- مزاعم تحدثت عن قيام خبراء من حركة حماس بحفر أنفاق تمتد من جنوب تونس إلى جبل الشعانبي.
- حملات متكررة روجت لفكرة أن تونس تعوم فوق بحيرة هائلة من النفط وأن السلطات تخفي الحقيقة عن المواطنين.
ويؤكد الشارني أن مجرد التشكيك في مثل هذه الروايات خلال تلك الفترة كان يعرض صاحبه إلى حملات تخوين أو اتهامات سياسية، وهو ما ساهم، بحسب رأيه، في ترسيخها داخل الرأي العام.
« الحمص والخمر ».. أول اعتراف صريح
ولم تكن مراجعات رجاء بن سلامة الأولى من نوعها، إذ سبق للكاتب والصحفي توفيق بن بريك أن صرح سنة 2020 بأن الرواية الشهيرة التي نسبت إلى الرئيس الأسبق محمد المنصف المرزوقي تناوله الخمر داخل القصر الرئاسي وطلبه « الحمص »، كانت من نسج خياله، موضحا أنها كتبت في سياق ساخر قبل أن تتحول إلى قصة صدقها كثيرون وتناقلتها وسائل إعلام وصفحات على أنها حقيقة.
وأكد بن بريك، في تصريحاته آنذاك، أن محمد المنصف المرزوقي لم يكن يشرب الخمر، في مراجعة اعتبرها متابعون من أوائل الاعترافات العلنية بشأن إحدى أكثر الروايات السياسية تداولا بعد الثورة.
دعوات إلى النقد الذاتي
وقد وجدت دعوة رجاء بن سلامة صدى لدى عدد من الجامعيين والحقوقيين.
فقد اعتبر أستاذ التاريخ المعاصر محمد ضيف الله أن ما كتبته يمثل « شجاعة فكرية ونزاهة أخلاقية »، وأنه يمكن أن يشكل بداية لتجاوز حالة الانقسام وبناء المشترك الوطني.
أما الناشط الحقوقي عبد الرزاق بن الحاج محمود، فرأى أن أهمية المبادرة تكمن في أنها لا تستهدف الإسلاميين وحدهم، بل تدعو جميع الفاعلين السياسيين والإعلاميين إلى مراجعة مواقفهم، معتبرا أن الاعتراف بالأخطاء يمثل خطوة ضرورية نحو المصالحة الوطنية.
ويبدو أن هذا النقاش يعيد إلى الواجهة سؤالا ظل مؤجلا لسنوات: هل تستطيع النخبة التونسية فتح ملف الروايات التي صنعت الاستقطاب السياسي، والتمييز بين الوقائع والدعاية، أم أن إرث سنوات الصراع سيظل يلقي بظلاله على الحياة العامة؟



