الرئيسيةآخر الأخبارمن معركة نافارين إلى راية الجمهورية.. العلم التونسي الأحمر والأبيض يطفئ شمعته...

من معركة نافارين إلى راية الجمهورية.. العلم التونسي الأحمر والأبيض يطفئ شمعته الـ199

راية وُلدت في القرن التاسع عشر، وعبرت العهد الحسيني والحماية الفرنسية والاستقلال وإعلان الجمهورية.. كيف تحوّل العلم التونسي إلى أحد أقدم رموز الدولة التي ما زالت حاضرة في الحياة الوطنية؟

تحتفل تونس، اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، بالذكرى الـ199 لتصميم علمها الوطني، الذي يعود ظهوره إلى سنة 1827، في عهد حسين باي الثاني، قبل أن يُعتمد رسمياً بعد ذلك بسنوات. وبينما تبدو الراية الحمراء التي تتوسطها دائرة بيضاء تضم هلالاً ونجمة حمراوين مألوفة لدى التونسيين، فإن وراء هذا التصميم تاريخاً طويلاً يرتبط بتطور الدولة التونسية، وعلاقتها بالإمبراطورية العثمانية، ثم بمسارها نحو الاستقلال وترسيخ رموز سيادتها الوطنية.

وفي مناسبة هذه الذكرى، أعادت الناشطة التونسية سارة الشواشي، عبر حسابها على منصة «إكس»، التذكير بتاريخ العلم، معتبرة أن تونس تحتفل بمرور 199 عاماً على ظهور واحدة من أقدم الرايات في العالم، ومعربة عن أملها في أن تظل خفاقة لآلاف السنين المقبلة.

لكن قصة العلم التونسي لا تختصرها ذكرى سنوية أو ألوان ترفرف فوق المؤسسات العمومية والمدارس والملاعب. إنها أيضاً قصة رمز استمر رغم التحولات السياسية الكبرى التي عرفتها البلاد، من حكم البايات إلى الاستعمار الفرنسي، وصولاً إلى قيام الجمهورية التونسية.

1827.. عام التحول في تاريخ الراية التونسية

تعود الرواية التاريخية المتداولة بشأن نشأة العلم التونسي إلى عهد حسين باي الثاني، الذي حكم تونس بين عامي 1824 و1835، في مرحلة كانت فيها البلاد تتمتع بقدر من الاستقلال الداخلي ضمن الإطار العثماني.

ويرتبط ظهور التصميم الحالي، وفق المصادر التاريخية، بمعركة نافارين البحرية التي وقعت في 20 أكتوبر 1827، وشاركت فيها قوات عثمانية ومصرية في مواجهة الأساطيل البريطانية والفرنسية والروسية. وقد انتهت المعركة بتدمير جانب كبير من الأسطول العثماني وحلفائه، في تطور كشف حجم التفوق البحري الأوروبي آنذاك.

وفي أعقاب هذه المرحلة، برزت الحاجة إلى راية تميز السفن التونسية عن السفن الأخرى، وهو ما ارتبط بقرار حسين باي الثاني إنشاء علم خاص بالأسطول التونسي، مستلهماً بعض عناصره من العلم العثماني، مع إدخال تعديلات تمنحه شكلاً مميزاً.

واختير اللون الأحمر خلفية للعلم، تتوسطها دائرة بيضاء تضم هلالاً أحمر ونجمة حمراء خماسية. وبذلك حافظت الراية على بعض الملامح المعروفة في الأعلام العثمانية، لكنها اكتسبت في الوقت نفسه هوية بصرية خاصة بتونس.

وتشير وكالة تونس إفريقيا للأنباء إلى أن تصميم العلم يعود إلى 20 أكتوبر 1827، بينما تم اعتماده رسمياً سنة 1831. غير أن بعض المؤرخين يختلفون بشأن التاريخ الدقيق لظهوره واعتماده، إذ يربط آخرون استقراره بشكله المعروف بفترة لاحقة.

لماذا يشبه العلم التونسي العلم التركي؟

من أبرز الأسئلة التي يثيرها العلم التونسي تشابهه مع العلم التركي، خصوصاً في استخدام اللون الأحمر والهلال والنجمة.

ولا يعود هذا التشابه إلى المصادفة، بل إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه الراية التونسية. فقد كانت تونس مرتبطة بالإمبراطورية العثمانية، واستلهم تصميم العلم بعض عناصر الراية العثمانية، مع إضافة الدائرة البيضاء في الوسط ووضع الهلال والنجمة باللون الأحمر داخلها.

وبذلك حافظ العلم على صلة بصرية بالمحيط السياسي الذي كانت تونس جزءاً منه، مع تمييز سفنها ومؤسساتها عن غيرها.

لكن هذا التشابه لا يعني تطابق العلمين. فالتصميم التونسي له خصائصه الواضحة، أبرزها القرص الأبيض المركزي الذي يحتضن الهلال والنجمة، وهو عنصر يمنح الراية شكلاً مختلفاً عن العلم التركي.

وتكشف هذه التفاصيل جانباً من تاريخ تونس في القرن التاسع عشر، حين كانت البلاد تسعى إلى تأكيد خصوصيتها السياسية والإدارية، في ظل ارتباطها التاريخي بالدولة العثمانية وتزايد الضغوط الأوروبية في البحر الأبيض المتوسط.

الأحمر والأبيض.. ماذا تعني ألوان العلم؟

يتكون العلم التونسي من خلفية حمراء تتوسطها دائرة بيضاء، وفي داخلها هلال ونجمة خماسيان باللون الأحمر. وهذه العناصر هي التي تحدد هويته البصرية كما يعرفها التونسيون اليوم.

أما دلالات الألوان والرموز، فينبغي التعامل معها بحذر تاريخي. فالمعاني التي تُنسب إلى الأحمر باعتباره رمزاً للتضحية، وإلى الأبيض باعتباره رمزاً للسلام، ليست بالضرورة التفسير الوحيد أو الأصلي الذي اعتمده مصممو العلم في القرن التاسع عشر.

ويشير مؤرخون إلى أن رمزية الرايات تتطور مع مرور الزمن، وأن معانيها قد تتأثر بالأحداث الوطنية وبالتجارب التي تعيشها الشعوب. وقد اكتسب العلم التونسي، على امتداد تاريخه، مكانة مرتبطة بالنضال من أجل الحرية والاستقلال، وبالتضحيات التي قدمها التونسيون في مواجهة الاستعمار.

أما الهلال والنجمة، فهما من الرموز التي ارتبطت تاريخياً بالفضاء الإسلامي والعثماني، قبل أن يصبحا جزءاً من الهوية البصرية المميزة للعلم التونسي. <Cite refs=

علم بقي حاضراً خلال الحماية الفرنسية

من المحطات اللافتة في تاريخ العلم التونسي استمراره خلال فترة الحماية الفرنسية، التي بدأت سنة 1881 وانتهت باستقلال تونس سنة 1956.

فقد ظلت الراية الحمراء والبيضاء حاضرة بوصفها رمزاً تونسياً، رغم خضوع البلاد للسيطرة الاستعمارية الفرنسية. ومع تصاعد الحركة الوطنية، اكتسب العلم دلالات تتجاوز وظيفته الرسمية، ليصبح علامة على الانتماء الوطني والتمسك بخصوصية تونس.

وفي سياق الحركة الوطنية، لم يكن رفع العلم مجرد ممارسة احتفالية، بل ارتبط بمعنى أوسع يتعلق بحق التونسيين في تقرير مصيرهم والحفاظ على هويتهم السياسية والثقافية.

وهكذا، لم يتوقف تاريخ العلم عند ظروف نشأته في القرن التاسع عشر، بل امتد ليصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية التي تشكلت خلال مقاومة الاستعمار، ثم في مرحلة بناء الدولة المستقلة.

من الاستقلال إلى الجمهورية.. تثبيت رمز الدولة

بعد استقلال تونس سنة 1956، دخل العلم مرحلة جديدة ضمن عملية بناء مؤسسات الدولة الوطنية.

ومع إعلان الجمهورية في 25 جويلية 1957 وإلغاء النظام الملكي، لم يقع التخلي عن الراية التي ارتبطت بتاريخ البلاد. بل تم تثبيتها باعتبارها علم الدولة الجديدة، وهو ما كرّسه دستور غرة جوان 1959.

ويعكس هذا الاستمرار جانباً مهماً من علاقة الدولة التونسية الحديثة بتاريخها: فالتغيير السياسي الجذري الذي أنهى حكم البايات لم يؤد إلى القطيعة مع أحد أبرز الرموز التي سبقت قيام الجمهورية.

وفي 30 جوان 1999، صدر قانون يضبط مواصفات العلم وأبعاده وتفاصيل تصميمه، بما يضمن توحيد شكله الرسمي.

وبموجب الفصل الرابع من دستور الجمهورية التونسية لسنة 2022، فإن علم الجمهورية التونسية أحمر، تتوسطه دائرة بيضاء بها نجم أحمر ذو خمسة أشعة يحيط به هلال أحمر، وفق ما يضبطه القانون.

199 عاماً.. أكثر من مجرد ذكرى

إن الاحتفال بالذكرى الـ199 للعلم التونسي يفتح الباب أمام استعادة تاريخ طويل من التحولات التي عرفتها البلاد. فمن راية ارتبط ظهورها بالأسطول التونسي في القرن التاسع عشر، إلى رمز استمر خلال الحماية الفرنسية، ثم أصبح علم الجمهورية، ظلت الألوان الحمراء والبيضاء حاضرة في مختلف المراحل الكبرى من تاريخ تونس الحديث.

ولا تكمن أهمية هذه الذكرى في عمر العلم وحده، بل في قدرته على الاستمرار رغم تغير الأنظمة والمؤسسات والظروف السياسية. فالدولة الحسينية انتهت، والحماية الفرنسية أصبحت جزءاً من الماضي، والجمهورية قامت، لكن العلم ظل عنصراً ثابتاً في المشهد الوطني.

ومع اقتراب تونس من الاحتفال بمرور قرنين على تصميم رايتها في أكتوبر 2027، تكتسب هذه المناسبة أهمية رمزية إضافية، باعتبارها فرصة لإعادة التعريف بتاريخ العلم، ومراحل تطوره، ومكانته في الذاكرة الوطنية.

فالعلم الذي ظهر قبل نحو قرنين لم يعد مجرد قطعة قماش تحمل ألواناً ورموزاً، بل أصبح جزءاً من الصورة التي تقدم بها تونس نفسها، ورمزاً لوحدة البلاد واستمرار هويتها عبر الزمن.

وفي الذكرى الـ199، تبقى الرسالة التي حملتها سارة الشواشي في تهنئتها واضحة: أن تواصل الراية التونسية التحليق عالياً، لا باعتبارها أثراً من الماضي فحسب، بل رمزاً حياً لبلد يواصل كتابة تاريخه.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى