أثارت تدوينة نشرها المحامي والناشط السياسي عبد الرؤوف العيادي عبر حسابه الشخصي على منصة « فيسبوك »، موجة عارمة من الغضب والاستياء في صفوف التونسيين، وسط اتهامات صريحة له بـ »تبييض الجريمة » و »لوم الضحية »، في سياق التفاعلات المتواصلة مع الفاجعة التي هزت الرأي العام إثر الاعتداء الوحشي الذي راحت ضحيته الطفلة القاصر « يقين ».
وكان العيادي قد كتب في تدوينته: « فرطت في تربية ابنتها القاصرة ثم أصبحت تطلب لها الحماية من الشرطة، وشتان بين وظيفة التربية في الوقاية والتحصين ووظيفة التخليص من أيدي أصحاب الشرور والمجرمين، فمن يعتبر؟ ». كلمات اعتبرها المئات من المتابعين طعنة جديدة لعائلة الضحية المكلومة، وتحويلاً غير عادل لبوصلة المسؤولية.

« جلد الضحية ».. غضب واستهجان حاد
وسرعان ما تحولت الصفحة الرسمية للعيادي إلى ساحة من الانتقادات الحادة والساخرة؛ حيث عبّر إعلاميون ونشطاء ومواطنون عن صدمتهم من صدور مثل هذا الموقف عن رجل قانون وحقوقي. واعتبر المعلقون أن الجريمة يتحمل مسؤوليتها المجرم وحده، وأن خروج فتاة في مقتبل العمر لملاقاة صديقتها في مقهى مجاور لبيتها لا يمكن أن يكون مبرراً للاعتداء عليها، ولا دليلاً على « تقصير الأم ».
وفي هذا السياق، ذكّرت العديد من التدوينات بحوادث سابقة تعرضت لها مسنات في منازلهن بجهات مختلفة مثل القيروان، لبيان أن « الوحوش البشرية » لا تنتظر مبررات، وأن الأزمة تكمن في تفشي الجريمة والمخدرات وليس في سلوك الضحايا. كما هاجم آخرون ما وصفوه بـ »العقلية الذكورية الفاسدة » التي تترك الجاني وتبحث عن تبريرات واهية على حساب دماء الضحايا.
مسؤولية الدولة والأمن في الميزان
ولم يخلُ النقاش من تصويب السهام نحو دور المؤسسة الأمنية؛ حيث أكد معلقون أن دور الأمن الأساسي في أي دولة هو « الاستباق والحماية وتأمين الفضاء العام للمواطنين »، وليس مجرد التدخل بعد وقوع الكارثة لـ »تخليص » الضحايا كما ورد في التدوينة.
أصوات مدافعة: « الشارع أصبح غابة »
في المقابل، وجد الطرح الذي قدمه العيادي صدى لدى قلة من المتابعين الذين اعتبروا كلامه « مقاربة وقائية » تحث الأولياء على تشديد الرقابة على أبنائهم. ورأى هؤلاء أن الشارع التونسي، خاصة في المدن الكبرى، أضحى يشبه « الغابة المحفوفة بالصيد الثمين »، مما يتطلب حذراً مضاعفاً وإحاطة أسرية صارمة لحماية الأطفال من « المنظومة المجتمعية الفاسدة » والإعلام المميّع.
وتفتح هذه الحادثة من جديد الجدل القديم المتجدد في تونس حول تنامي منسوب العنف والبراكاجات في الفضاء العام، وسط دعوات ملحة لمراجعة المقاربات الأمنية والتربوية، والابتعاد عن الخطابات التي تبرر للمعتدي وتزيد من تعميق جراح الضحايا وعائلاتهم.