أظهرت البيانات الفنية والتقارير التحليلية المعنية بملفات الهجرة وسوق العمل في كندا، وتحديداً في مقاطعة كيبك الناطقة بالفرنسية، طفرة غير مسبوقة في تدفق الكوادر العليا والنخب العلمية التونسية نحو الأراضي الكندية ويأتي هذا التدفق عبر برامج الهجرة السريعة والمسارات التفضيلية الموجهة خصيصاً لاستقطاب المهارات الفرنكوفونية المتميزة لتعويض النقص الحاد في اليد العاملة المتخصصة بكندا.
1. « الحصاد المثالي » لقطاعات التكنولوجيا الفائقة والصحة:
وصفت الصحافة الكندية هذا النزيف البشري بأنه عملية « حصاد اقتصادي مثالي » تخدم المصالح الجيوسياية والاقتصادية لكندا. وتركز طلبات التوظيف وعقود العمل المبرمة صامتاً على ثلاثة قطاعات استراتيجية:
- الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي: حيث بات المهندسون التونسيون يشكلون رافداً أساسياً للمختبرات والشركات التكنولوجية في مونتريال وتورونتو.
- القطاع الصحي الطبي والشبه طبي: تشهد كندا تدفقاً مستمراً للأطباء والممرضين التونسيين لملء الشغور الهيكل في منظومتها الصحية.
- الأكاديميون وباحثو التعليم العالي: الذين يجدون في الجامعات الكندية بيئة بحثية مستقرة تعوضهم عن تدهور الإمكانيات محلياً.
2. لغم البطالة كمحرك أساسي لـ « الهجرة القسرية »:
تربط التقارير الكندية بشكل مباشر وثيق بين تصاعد وتيرة الهجرة الشرعية الماهرة وبين البيانات الصادرة عن المعاهد الدولية والأوروبية — مثل معهد روما للدراسات والتي تؤكد استقرار معدلات البطالة بين صفوف الشباب التونسي من حاملي الشهادات العليا عند نسبة 37.5% . هذا الانسداد التام في آفاق التطور المهني الداخلي، المصحوب بشلل شبه كامل في قطاع التوظيف العمومي والخاص وتآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم، تحول إلى « قوة دفع طاردة » تقذف بكتلة الكفاءات الجاهزة نحو خيارات الاغتراب والهجرة المؤسسية الفورية.
3. الدعم المجاني التونسي للاقتصادات الغربية:
يخلص التحقيق الكندي إلى تفكيك واحدة من أخطر التداعيات بعيدة المدى على الدولة التونسية، واصفاً الظاهرة بـ »الخسارة الهيكلية الصامتة والمستمرة » وتتحمل الميزانية العامة التونسية (من أموال دافعي الضرائب التونسيين) نفقات باهظة طوال عقود لتمكين هؤلاء الطلاب من تعليم مجاني وتكوين أكاديمي وعالي الجودة في كليات الهندسة والطب والعلوم. ولكن عند وصول هذه العقول إلى مرحلة العطاء والإنتاجية التي يمكنها تحريك عجلة التنمية المحلية، تجني الدول الغربية — وعلى رأسها كندا وألمانيا وفرنسا — عوائد هذه الخبرات وثمارها الاقتصادية والضريبية بشكل جاهز وفوري، ودون تحمل أي كلفة تأسيسية أو نفقات تنشئة وتعليم، مما يمثل تحويلاً مجانياً غير عادل للثروة البشرية من الجنوب المنهك مالياً إلى الشمال المتقدم
