حذّرت دراسة دولية من أن التحول التدريجي في الاقتصاد العالمي بعيداً عن النفط قد يضع عدداً من الدول المنتجة أمام أزمة مالية واقتصادية عميقة، خصوصاً تلك التي تعتمد بشكل كبير على عائدات المحروقات لتمويل ميزانياتها وخدماتها العامة، ولم تنجح في بناء اقتصادات أكثر تنوعاً.
وأشارت بي بي سي نيوز عربي، في منشور لها اليوم، إلى أن الجزائر ونيجيريا وأنغولا وإيران والعراق وليبيا تبرز ضمن الدول الأكثر عرضة لما يمكن وصفه بـ »عصر ما بعد النفط »، استناداً إلى تقرير حديث أصدرته مؤسسة «البيئية من الجيل الثالث» البريطانية المتخصصة في قضايا المناخ والطاقة والجغرافيا السياسية.
ولا يعني الحديث عن « نهاية عصر النفط » أن العالم سيتوقف قريباً عن استخدام الخام، وإنما يتعلق أساساً باحتمال دخول السوق العالمية مرحلة يبدأ فيها نمو الطلب بالتباطؤ، ثم يستقر، وربما يتراجع، الأمر الذي سيزيد المنافسة بين الدول المنتجة على حصة أصغر من السوق.
الجزائر في دائرة الخطر
وتبدو الجزائر من أبرز الحالات التي تلفت إليها الدراسة.
فبحسب المعطيات الواردة عن تقرير E3G، قد تتعرض عائدات النفط الجزائرية إلى انخفاض يصل إلى 87 في المائة ابتداءً من عام 2030 في سيناريو تراجع الطلب العالمي، وهي نسبة تجعل الجزائر من بين أكثر الدول تعرضاً لصدمة التحول في سوق الطاقة.
ويعزو التقرير هذا الخطر إلى الاعتماد الكبير على عائدات الطاقة، بالتوازي مع محدودية التنويع الاقتصادي مقارنة بحجم التحديات التي قد يفرضها تراجع الطلب العالمي.
ولا تقتصر المخاطر على الجزائر، إذ يتوقع التقرير أن تتراجع عائدات النفط في نيجيريا بأكثر من 60 في المائة اعتباراً من عام 2030، بينما تواجه دول أخرى مثل أنغولا وإيران والعراق وليبيا مخاطر كبيرة بسبب الوزن الذي تحتله عائدات النفط في المالية العامة.
وتشير الدراسة إلى أن النفط يمثل أكثر من 40 في المائة من إيرادات الحكومات في 17 دولة حول العالم، بينما تصل النسبة في العراق وليبيا إلى ما بين 70 و90 في المائة، ما يجعل أي انخفاض طويل الأمد في العائدات النفطية مسألة تتجاوز قطاع الطاقة لتصبح قضية تتعلق بتمويل الدولة والخدمات العامة والاستقرار المالي.
لماذا يتحدث العالم عن تراجع الطلب؟
ويأتي هذا التحذير في وقت بدأت فيه مؤسسات دولية ترصد تباطؤاً في نمو الطلب العالمي على النفط.
وكان البنك الدولي قد توقع في عام 2025 أن يرتفع الطلب العالمي على النفط بنحو 700 ألف برميل يومياً في كل من 2025 و2026، أي نحو نصف متوسط الزيادة السنوية المسجلة خلال الفترة 2015-2019. وربط البنك هذا التباطؤ بتراجع كثافة استخدام النفط في الاقتصاد العالمي وانتشار السيارات الكهربائية وغيرها من التحولات في قطاع النقل والطاقة.
لكن تقديرات المؤسسات الدولية لم تعد متطابقة تماماً، خصوصاً مع الصدمات الجيوسياسية التي شهدها عام 2026.
فقد خفضت منظمة الدول المصدرة للبترول « أوبك » في سبتمبر توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2026 إلى نحو 380 ألف برميل يومياً، في خامس مراجعة نزولية متتالية لتقديراتها لهذا العام. وفي المقابل، تتوقع وكالة الطاقة الدولية انخفاضاً في الطلب خلال 2026، ما يعكس اتساع الفجوة بين السيناريوهات المتعلقة بمستقبل السوق النفطية.
النفط لن يختفي.. لكن قواعد اللعبة قد تتغير
وتحذر دراسة «البيئية من الجيل الثالث» من أن المشكلة بالنسبة للدول المنتجة ليست بالضرورة اختفاء النفط من الأسواق، وإنما احتمال أن يصبح الطلب على النفط أقل من قدرة المنتجين على المنافسة.
فمع تراجع الطلب، ستصبح الدول ذات تكاليف الإنتاج المنخفضة، والاحتياطيات الكبيرة، والبنية التحتية المتطورة، في موقع أفضل للحفاظ على حصتها من السوق. وفي المقابل، ستكون الدول ذات التكاليف المرتفعة والاقتصادات الأقل تنوعاً أكثر تعرضاً لخسائر الإيرادات.
وتذهب الدراسة إلى أن السعودية والإمارات، باعتبارهما من المنتجين ذوي الاحتياطيات الكبيرة والتكاليف المنخفضة، قد تكونان أكثر قدرة على الصمود أمام التحول، في حين يمكن أن تواجه دول أخرى ضغوطاً أكبر على موازناتها وديونها وقدرتها على تمويل الخدمات الأساسية.
تحذير يتجاوز الاقتصاد
وتعتبر E3G أن « نهاية عصر النفط » ليست مجرد قضية مناخية أو اقتصادية، وإنما مسألة أمن واستقرار.
فانخفاض عائدات النفط بصورة سريعة يمكن أن يضع الحكومات أمام صعوبة تمويل الخدمات العامة وسداد الديون، وقد يؤدي إلى أزمات مالية واضطرابات اجتماعية، فضلاً عن إمكانية انعكاسه على الهجرة والأمن الإقليمي. وتؤكد المؤسسة أن انتقالاً غير منظم بعيداً عن النفط قد يزيد من هشاشة الدول المنتجة ويخلق تداعيات تتجاوز حدودها.
وتقول E3G إن أكثر من 100 مسؤول وخبير شاركوا في تمارين وسيناريوهات أعدتها المؤسسة لدراسة ما يمكن أن يحدث مع تراجع الطلب على النفط، محذرة من أن الدول المنتجة لا تستعد بالسرعة الكافية لهذا التحول.
ماذا يعني ذلك لشمال إفريقيا؟
بالنسبة إلى شمال إفريقيا، تكتسب التحذيرات أهمية خاصة مع وجود الجزائر وليبيا ضمن أكثر الدول اعتماداً على المحروقات، في وقت تواجه فيه المنطقة نفسها تحديات مرتبطة بالنمو السكاني والبطالة والمالية العامة والتحول الطاقي.
لكن التقرير لا يقول إن النفط سيتوقف غداً، ولا يتنبأ بانهيار فوري للدول المنتجة. الرسالة الأساسية هي أن الخطر الحقيقي يكمن في وصول الدول إلى مرحلة يبدأ فيها الطلب العالمي بالتراجع قبل أن تتمكن اقتصاداتها من إيجاد مصادر بديلة للإيرادات والنمو.
وبذلك، فإن السؤال الذي تطرحه دراسة«البيئية من الجيل الثالث»، وتعيد بي بي سي طرحه، ليس فقط: متى ينتهي النفط؟ وإنما: ماذا ستفعل الدول التي بنت جزءاً كبيراً من نموذجها الاقتصادي والاجتماعي على عائدات النفط عندما يبدأ العالم فعلياً في تقليص اعتماده عليه؟
وهذا التحول، إذا وقع بصورة أسرع من استعداد الدول المنتجة، قد يجعل السنوات المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرتها على تنويع اقتصاداتها قبل أن يصبح الطلب على النفط نفسه هو العامل الذي يفرض عليها التغيير.
***
«البيئية من الجيل الثالث»هي مؤسسة بحثية أوروبية مستقلة متخصصة في قضايا المناخ والطاقة والتحول الطاقي والجغرافيا السياسية، وتصدر دراسات وتحليلات حول تأثير التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون على الدول والأسواق والأمن الدولي
