فتح المغرب فصلا جديدا في تنظيم الاقتصاد الرقمي بعد دخوله رسميا في تطبيق نظام يفرض على الشركات العالمية المزودة للخدمات الرقمية، على غرار « ميتا » و »تيك توك » و »نتفليكس » و »يوتيوب »، التسجيل لدى الإدارة الجبائية المغربية والخضوع لالتزامات ضريبية واضحة، في خطوة اعتبرها خبراء جزءا من مسار عالمي يهدف إلى إخضاع عمالقة التكنولوجيا للقواعد الجبائية في البلدان التي يحققون فيها مداخيل.
هذا التطور يطرح سؤالا مشروعا في تونس: هل آن الأوان لأن تتخذ السلطات التونسية خطوة مماثلة؟
فالاقتصاد الرقمي في تونس يشهد توسعا متواصلا. آلاف المؤسسات تعتمد يوميا على الإعلانات الممولة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وعشرات الآلاف من المواطنين يشتركون في خدمات البث الرقمي والمنصات الإلكترونية، فيما تتزايد المعاملات المرتبطة بالخدمات السحابية والتطبيقات المدفوعة، وهي سوق تدر مداخيل كبيرة على الشركات الأجنبية دون وجود إطار خاص يواكب هذا التطور.
وتواجه المالية العمومية التونسية تحديات متزايدة تدفع الدولة إلى البحث عن موارد جبائية جديدة دون إثقال كاهل المؤسسات المحلية أو المواطنين. ومن هذا المنطلق، يرى مختصون أن الاقتصاد الرقمي يمثل أحد المجالات التي تستحق الدراسة، خاصة وأن عددا متزايدا من الدول اعتمد آليات لفرض الضريبة على الخدمات الرقمية أو لإلزام الشركات الأجنبية بتحصيل الضريبة على القيمة المضافة لفائدة الدولة التي توجد فيها قاعدة المستهلكين.
ويستند النموذج المغربي إلى إلزام الموردين الأجانب غير المقيمين بالتسجيل لدى الإدارة الجبائية والإقرار الدوري برقم معاملاتهم المحقق داخل المملكة وأداء الضريبة المستوجبة، مع توفير منصة إلكترونية مخصصة لهذه العملية، وهو ما يسهل عملية الامتثال ويحد من التهرب الضريبي.
أما في تونس، فلا يوجد إلى حد الآن نظام خاص مماثل موجه إلى مزودي الخدمات الرقمية الأجانب، كما لم تعلن وزارة المالية عن مشروع قانون أو منصة إلكترونية تسير في هذا الاتجاه. غير أن التحولات العالمية، إلى جانب اتساع الاقتصاد الرقمي محليا، قد تجعل هذا الملف مطروحا خلال السنوات المقبلة في إطار إصلاحات جبائية أوسع.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن أي توجه نحو فرض ضرائب على الخدمات الرقمية ينبغي أن يراعي جملة من الاعتبارات، من بينها احترام الاتفاقيات الدولية، وضمان عدم انعكاس الأعباء الجديدة بشكل مباشر على المستهلك النهائي، إلى جانب توفير إطار قانوني واضح يضمن المنافسة العادلة بين الشركات المحلية ونظيراتها العالمية.
كما يطرح الملف بعدا آخر يتعلق بالسيادة الرقمية، إذ تعتبر العديد من الدول أن إخضاع الشركات الرقمية العالمية للمنظومة الجبائية الوطنية لم يعد مجرد وسيلة لتعزيز الإيرادات، بل أصبح أيضا أداة لتنظيم السوق الرقمية وتحقيق قدر أكبر من العدالة الضريبية بين الفاعلين الاقتصاديين.
ويبقى السؤال مطروحا: هل ستلتحق تونس بالدول التي اختارت تقنين النشاط الضريبي لعمالقة التكنولوجيا، أم ستواصل الاكتفاء بالمنظومة الحالية في انتظار إصلاحات أوسع تفرضها التحولات المتسارعة للاقتصاد الرقمي؟
