في القيروان، لا تبدو حكايات الكنوز المدفونة مجرد أسطورة شعبية تُتداول في المجالس، بل تحولت في بعض الحالات إلى دافع لمغامرات خطيرة انتهت بعواقب مأساوية.
فبعد أيام قليلة من حادثة وفاة ثلاثة شبان داخل دهليز بمنطقة ريفية على الحدود بين القيروان وصفاقس، عاد النقاش حول حقيقة الكنوز المدفونة في المواقع الأثرية إلى الواجهة، بالتزامن مع تصريح الباحث والمؤرخ التونسي المختص في التراث والآثار والمعمار العربي الإسلامي، الدكتور مراد الرماح، الذي قلّل بشكل كبير من إمكانية العثور على كنوز ذهبية في مثل هذه المواقع.
وخلال مداخلته في برنامج «عشوية صيف» على إذاعة صبرة أف أم، أكد الرماح أن المواقع الأثرية، وخاصة المقابر الرومانية، لا تحتوي عادةً على تلك الثروات الذهبية التي تتحدث عنها الروايات الشعبية، مشيراً إلى أن القيمة الحقيقية لهذه المواقع تكمن أساساً في الشواهد والمعالم واللقى التي تسمح للباحثين بفهم تاريخ الحضارات التي مرت بالمنطقة.
وأوضح أن العثور على عملات ذهبية في مواقع أثرية من هذا النوع يكاد يكون شبه مستحيل، وأن الحفريات العلمية المتواصلة في مواقع تاريخية مهمة، من بينها بلاريجيا، لم تُسفر إلا في حالات نادرة جداً عن اكتشاف كنوز.
وبالتالي، فإن الحديث المتكرر عن وجود كميات هائلة من الذهب والأموال المدفونة في القيروان لا يجد، وفق هذا الطرح العلمي، ما يسنده من أدلة أثرية موثوقة.
لكن المأساة الأخيرة في الشراردة تكشف أن الاعتقاد بهذه الروايات قد يتجاوز حدود الحكاية.
فبحسب ما أوردته تونيزي تيليغراف في 18 أوت 2026، دخل ثلاثة شبان، تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة، إلى دهليز عميق بحثاً عمّا يُعرف بـ«الكنوز»، وكانوا يحملون معهم معدات للحفر. وبعد ساعات طويلة من عمليات البحث والإنقاذ، تم انتشال جثثهم تباعاً. وتشير المعطيات الأولية التي نقلتها الصحيفة إلى أن الاختناق يُرجح أن يكون سبب الوفاة، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات والاختبارات.
وقد أذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بصفاقس بفتح بحث في ملابسات الحادثة، فيما تعهدت فرقة أمنية بالتحقيق في ظروف دخول الشبان إلى الدهليز وما أدى إلى وفاتهم.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة: في الوقت الذي يقول فيه علم الآثار إن حلم العثور على سبائك الذهب والثروات المدفونة لا يستند إلى ما يكفي من الأدلة، يدفع ثلاثة شبان حياتهم ثمناً لمحاولة البحث عنها.
والأخطر أن الدواميس والأنفاق القديمة ليست أماكن يمكن التعامل معها كحفريات عادية. فقد تكون عميقة، ضيقة، ضعيفة التهوية، معرضة للانهيار أو تحتوي على هواء غير صالح للتنفس. وبالتالي فإن الدخول إليها بشكل عشوائي، ومن دون تجهيزات وخبرة متخصصة، يمكن أن يتحول في دقائق إلى فخ قاتل.
القضية، في النهاية، لا تتعلق فقط بما إذا كان هناك ذهب مدفون أم لا، وإنما بالسؤال الأهم: كم من الأرواح يمكن أن تُعرّض للخطر بسبب حكاية لا يثبتها علم الآثار؟
فالقيروان تمتلك بالفعل «كنوزاً» حقيقية، لكنها ليست بالضرورة من ذهب. كنوزها موجودة في تاريخها، ومعالمها، وطبقاتها الأثرية، وذاكرتها الممتدة عبر قرون. وهذه الكنوز، بخلاف الذهب المتخيّل، موثقة وقابلة للدراسة وتستحق الحماية لا الحفر العشوائي.



