عاد في الفترة الأخيرة إلى الواجهة في تونس خطاب اجتماعي وأخلاقي يضع النساء والزواج واللباس والحياة الخاصة في قلب نقاشات محتدمة على منصات التواصل الاجتماعي.
من الدعوات إلى منع ارتداء «البيكيني» على الشواطئ، إلى مقاطع فيديو تتحدث عن «العزوبة» و«النساء البائرات»، وصولاً إلى دعوات لتنقيح مجلة الأحوال الشخصية في اتجاهات توصف بالرجعية، تبدو أجزاء من الفضاء الافتراضي وكأنها تعيد إنتاج خطاب أخلاقي كان يُعتقد أنه تراجع أمام التحولات التي عرفها المجتمع التونسي خلال العقود الماضية.
لكن اللافت ليس فقط مضمون هذه الخطابات، بل تزامن انتشارها وكثافتها خلال فترة قصيرة، وهو ما دفع البعض إلى التساؤل: هل نحن أمام مجرد موجة عابرة صنعتها خوارزميات منصات التواصل، أم أن هناك عودة فعلية لخطاب اجتماعي محافظ يسعى إلى فرض نفسه من جديد؟
«3.6 ملايين امرأة دون زواج».. الرقم الذي لا تصمد أمامه الأرقام الرسمية
من أكثر الأمثلة تداولاً خلال الأيام الأخيرة رقم يفيد بوجود 3 ملايين و671 ألف امرأة تونسية تجاوزن سن الثلاثين دون زواج.
غير أن هذا الرقم لا يظهر في البيانات الديموغرافية الرسمية المنشورة من المعهد الوطني للإحصاء، وبالتالي لا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة إحصائية.
بل إن المعطيات الرسمية المتوفرة تقدم صورة مختلفة وأكثر تعقيداً.
فوفق نتائج تعداد السكان والسكن لسنة 2024، تمثل النساء 50.7% من سكان تونس، فيما يبلغ عدد السكان الإجمالي نحو 11.97 مليون نسمة.
وفي ما يتعلق بالحالة المدنية، تظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن 29.6% من النساء فوق سن 15 سنة مصنفات كعازبات، مقابل 38.8% من الرجال. أما المتزوجات فتمثل نسبتهن 57% من النساء في هذه الفئة العمرية.
والأهم أن نسبة العزوبة تختلف بشدة حسب العمر. ففي الفئة 30-34 سنة، تبلغ نسبة الرجال العازبين 64.8% مقابل 28% للنساء. وفي الفئة 35-39 سنة تنخفض النسبة إلى 34.9% لدى الرجال و15.4% لدى النساء.
بمعنى آخر، هناك بالفعل تأخر في الزواج، لكن تحويله إلى رقم صادم بالملايين دون تحديد المصدر والمنهجية هو تضليل إحصائي أكثر منه تشخيصاً علمياً لظاهرة اجتماعية.
الزواج يتأخر فعلاً.. لكن الأسباب ليست «فساد النساء»
التحول الحقيقي موجود، ولا يحتاج إلى أرقام مجهولة المصدر لإثباته.
المعهد الوطني للإحصاء يؤكد أن متوسط سن الزواج الأول ارتفع على مدى العقود الماضية. ففي 2024 بلغ متوسط سن الزواج الأول، وفق منهجية حاجنال، 35.3 سنة للرجال و28.9 سنة للنساء، مقابل 30.3 و26.6 سنة على التوالي سنة 1994.
وهذا التحول لا يمكن اختزاله في «انحراف أخلاقي» أو تحميل النساء وحدهن مسؤوليته.
فتأخر الزواج مرتبط أيضاً بارتفاع سنوات الدراسة، وصعوبة الحصول على عمل مستقر، وأزمة السكن، وارتفاع تكاليف الزواج، وتغير أنماط العيش، والهجرة، وتغير توقعات الشباب والشابات بشأن الأسرة والعمل والاستقلالية.
حتى المعهد الوطني للإحصاء كان قد أشار في تحليلاته السابقة إلى أن ارتفاع سن الزواج يرتبط بعوامل قانونية وتعليمية واقتصادية واجتماعية، من بينها مواصلة الدراسة ودخول المرأة إلى سوق العمل والسعي إلى الاستقلالية.
ومن هنا تبدأ المشكلة الحقيقية
المشكلة ليست أن المجتمع التونسي يناقش الزواج أو الأسرة أو الأخلاق.
هذه قضايا مشروعة للنقاش.
المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من فهم الأسباب إلى البحث عن «مذنب»: المرأة، لباسها، حريتها، مجلة الأحوال الشخصية، أو نمط حياتها.
فالقول إن ملايين النساء «بائرات» لا يقدم تفسيراً واحداً لأزمة الزواج، ولا يجيب عن سؤال أساسي: لماذا يتأخر الزواج عند الرجال والنساء معاً؟
كما أن الدعوة إلى تغيير قوانين الأسرة لا يمكن أن تكون بديلاً عن معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تجعل تكوين أسرة أكثر صعوبة بالنسبة إلى جزء كبير من الشباب.
هل نحن أمام «عودة حميدة»؟
ربما يكون من المبكر الحديث عن ظاهرة اجتماعية منظمة أو عن «عودة» فعلية لتيار معين.
لكن المؤكد أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت فضاءً يسمح بانتشار خطاب أخلاقي شديد التبسيط، خصوصاً عندما يقدم صاحبه أرقاماً مثيرة أو تفسيراً سهلاً لمشكلات اجتماعية معقدة.
وقد تكون الخوارزميات نفسها جزءاً من القصة: كلما أثار محتوى ما الغضب والسخرية والجدل، زادت فرص انتشاره، ما قد يعطي انطباعاً بأن المجتمع كله يعيش التحول نفسه، بينما قد يكون الأمر في جزء منه مجرد تضخيم رقمي لخطاب أقل انتشاراً على أرض الواقع.
لذلك، قبل الحديث عن «عودة تونس إلى أوت 1956» أو عن مجتمع «تفكك» ويحتاج إلى إعادة فرض منظومة أخلاقية معينة، ربما يكون السؤال الأجدى مختلفاً:
لماذا أصبح الزواج أصعب؟ ولماذا يتأخر؟ ولماذا يتراجع الإقبال عليه؟ وما الذي تغير اقتصادياً واجتماعياً في حياة التونسيين؟
هذه أسئلة تحتاج إلى أرقام ودراسات ميدانية، لا إلى فيديوهات صادمة وأرقام مجهولة المصدر.
أما «حميدة» الذي عاد فجأة إلى المنصات، فقد يكون ظاهرة حقيقية، وقد يكون أيضاً مجرد منتج آخر من منتجات خوارزميات الغضب.
والفصل بين الاثنين يحتاج إلى بيانات، لا إلى الانطباعات.



