الأمونيا والروائح والمخلفات واحتمال خروج الحشرات من منشآت التربية.. ماذا تقول الدراسات العلمية عن المخاطر التي ينبغي مراقبتها؟
ليس من الدقة اختزال الجدل حول مشروع تربية ذبابة الجندي الأسود في منزل بوزلفة في سؤال واحد: هل هذه الحشرة خطرة أم لا؟
فالدراسات العلمية المتوفرة تقدم صورة أكثر تعقيداً. هذه الحشرة تُستخدم في عدد من البلدان لتحويل المخلفات العضوية إلى كتلة حيوية غنية بالبروتين والدهون، ويُنظر إلى هذه التقنية باعتبارها إحدى وسائل تثمين النفايات والحد من هدر الموارد.
لكن الفوائد المحتملة لا تعني أن العملية الصناعية خالية من الآثار البيئية. فالنتيجة تتوقف على نوعية المواد المستخدمة، وظروف التربية، والتهوية، والتحكم في الروائح والانبعاثات، ومعالجة المخلفات المتبقية، فضلاً عن الإجراءات المعتمدة لمنع خروج الحشرات من المنشأة.
وفي حالة منزل بوزلفة، لا يتعلق الأمر بإصدار حكم مسبق على المشروع، وإنما بطرح الأسئلة التي تسمح بتقييمه على أساس علمي: ما الذي يدخل إلى المنشأة؟ وما الذي يخرج منها؟ وما الضمانات التي تحول دون انتقال أي آثار بيئية إلى محيطها؟
حشرة تحوّل المخلفات إلى بروتين.. ولكن بأي كلفة بيئية؟
تستطيع يرقات ذبابة الجندي الأسود استهلاك أنواع مختلفة من المواد العضوية، بينها مخلفات الصناعات الغذائية وبعض المخلفات الزراعية، وتحويل جزء منها إلى كتلة حيوية يمكن استخدامها في إنتاج البروتين والدهون.
وتشير مراجعات علمية إلى أن هذه التقنية قد تساهم في تقليص حجم بعض المخلفات العضوية بسرعة، مع إنتاج مواد قابلة للتثمين، وهو ما يجعلها موضع اهتمام في مشاريع الاقتصاد الدائري.
وتكمن الفكرة الأساسية في الاستفادة من مواد كان يمكن التخلص منها، وتحويلها إلى موارد ذات قيمة اقتصادية، بدلاً من اعتبارها نفايات لا فائدة منها.
لكن هذا الجانب الإيجابي لا يكفي وحده للحكم على الأثر البيئي لمنشأة صناعية. فالأمر يتوقف أيضاً على مصدر المواد العضوية وتركيبتها، والطاقة والمياه المستهلكتين، وطريقة إدارة المخلفات الناتجة عن المعالجة.
والسؤال الذي يهم سكان منزل بوزلفة ليس فقط حجم الإنتاج الذي يمكن أن يحققه المشروع، بل كذلك كيفية إدارة جميع مراحل العملية، من استقبال المواد الأولية إلى التخلص من البقايا الناتجة عنها.
ما لا يظهر في صورة البروتين: المخلفات والانبعاثات
من أبرز النقاط التي تناولتها الدراسات العلمية أن المواد العضوية التي تدخل إلى دورة التربية لا تتحول بالكامل إلى يرقات أو بروتين.
ففي دراسة منشورة سنة 2020 في مجلة «الإنتاج الأنظف»، بحث علماء في تدفق الكربون والنيتروجين والطاقة خلال تربية ذبابة الجندي الأسود، وخلصوا إلى أن جزءاً من العناصر الغذائية يبقى في المخلفات المتبقية، فيما يفقد جزء آخر عبر الانبعاثات الغازية.
وسجلت الدراسة أيضاً انبعاثات من غازات الدفيئة، وظهور انبعاثات الأمونيا خلال مراحل معينة من دورة التربية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية عند تقييم المشاريع الصناعية، لأنها تبيّن أن التحويل البيولوجي لا يلغي جميع الأعباء البيئية، بل يغيّر طريقة توزعها بين الكتلة الحيوية المنتجة والمخلفات المتبقية والانبعاثات.
وهذا لا يعني أن كل منشأة لتربية ذبابة الجندي الأسود ستنتج المستويات نفسها من الانبعاثات. فالنتائج تتأثر بنوعية المواد المستعملة، وظروف التشغيل، وطريقة إدارة المخلفات.
لكنها تعني أن الحديث عن الفوائد البيئية ينبغي أن يستند إلى تقييم يشمل دورة الإنتاج كاملة، لا إلى كمية البروتين المنتجة فقط.
الأمونيا والروائح.. مسألة تقنية وليست تفصيلاً
في المنشآت التي تتعامل مع كميات كبيرة من المواد العضوية، تصبح التهوية والتحكم في الغازات والروائح من العناصر الأساسية للتشغيل.
ويشير دليل تقني صادر سنة 2023 عن معهد البحوث في الزراعة العضوية في سويسرا إلى أهمية تجديد الهواء وضبط ظروف التربية، في ظل استهلاك الأكسجين وإنتاج ثاني أكسيد الكربون والأمونيا داخل مناطق التربية.
كما أظهرت دراسات تناولت معالجة مخلفات الطعام بواسطة يرقات ذبابة الجندي الأسود أن الانبعاثات تتغير بحسب خصائص المواد العضوية وظروف المعالجة، وأن بعض العوامل، مثل درجة الحموضة، يمكن أن تؤثر في نمو اليرقات ومستويات الانبعاثات.
وهنا تبرز أهمية الفصل بين احتمال وجود انبعاثات في هذه العمليات وبين إثبات حصول تلوث في موقع بعينه.
فوجود الأمونيا أو الروائح في دورة الإنتاج لا يثبت تلقائياً أن المنشأة تسبّب أضراراً خارج حدودها. لكن غياب القياسات المنشورة لا يسمح، في المقابل، بالجزم بأن التأثيرات معدومة.
وبالنسبة إلى مشروع منزل بوزلفة، فإن الإجابة تستوجب معرفة طبيعة نظام التهوية، وطرق معالجة الهواء عند الحاجة، وكيفية تخزين المواد العضوية، والمدة التي تبقى خلالها داخل المنشأة، فضلاً عن نتائج القياسات المنجزة في محيطها.
ماذا يحدث إذا اختلت الرطوبة أو ظروف التربية؟
لا تقتصر متطلبات تشغيل هذه المنشآت على توفير الغذاء لليرقات. فالحرارة والرطوبة وطريقة توزيع المواد العضوية عوامل تؤثر في دورة التربية وفي استقرارها.
ويعرض الدليل التقني السويسري جملة من الاعتبارات المتعلقة بضبط ظروف التربية وتصميم المنشأة، بما في ذلك الحد من تحرك اليرقات خارج المناطق المخصصة لها.
ففي بعض الظروف، قد تتحرك اليرقات بحثاً عن مكان مناسب للتحول إلى طورها التالي، ويمكنها تسلق بعض الأسطح والوصول إلى الشقوق والزوايا. لذلك لا ينبغي ترك مسألة الاحتواء إلى حين ظهور مشكلة، بل يجب أخذها في الاعتبار عند تصميم المنشأة وتجهيزها.
ويشمل ذلك إحكام الأحواض ومناطق التربية، ومراقبة نقاط الخروج، ومعالجة المخلفات بطريقة تمنع بقاء يرقات أو شرانق حية قادرة على مغادرة الموقع.
ولا يعني الحديث عن هذه الاحتمالات أنها وقعت في منزل بوزلفة، بل إنها من المسائل الفنية التي ينبغي التثبت من كيفية التعامل معها في أي مشروع مماثل.
هل يمكن أن تتحول ذبابة الجندي الأسود إلى حشرة غازية؟
في هذه النقطة تحديداً، من المهم تجنب التهويل.
فالدراسات الأوروبية لا تقدم أساساً كافياً لوصف ذبابة الجندي الأسود تلقائياً بأنها حشرة غازية خطرة، كما لا تصنفها عموماً باعتبارها ناقلاً معروفاً للأمراض في السياق الأوروبي الذي تناولته بعض الأبحاث.
لكن دراسة تناولت ظهور الحشرة في كانتون جنيف بسويسرا بحثت احتمال خروج أفراد من منشأة تجارية كانت تعمل في تربيتها، وتطرقت إلى مسألة ظهورها في المحيط الخارجي وإمكانية استقرارها في البيئة الطبيعية.
وتدفع هذه المعطيات إلى التمييز بين أمرين: خصائص الحشرة نفسها، ومدى قدرة المنشأة الصناعية على احتوائها.
فحتى عندما تكون المخاطر البيئية المعروفة محدودة، لا يصبح منع الهروب أمراً غير ضروري. كما أن النتائج المسجلة في بلد أوروبي لا يمكن نقلها بصورة آلية إلى تونس، من دون مراعاة المناخ المحلي والظروف البيئية وطبيعة المنشأة.
ولهذا، فإن السؤال العملي بالنسبة إلى منزل بوزلفة هو مدى وجود نظام فعّال للاحتواء والمراقبة، وليس إطلاق وصف مسبق على الحشرة.
الفوائد البيئية لا تُقاس بالإعلانات وحدها
تثير تقنية تربية ذبابة الجندي الأسود اهتماماً متزايداً بسبب قدرتها على تثمين المخلفات العضوية وإنتاج مواد يمكن الاستفادة منها اقتصادياً.
غير أن تقييم الاستدامة يتطلب النظر إلى دورة الإنتاج كاملة. فالمشروع قد يحقق فائدة من خلال تقليص كمية المخلفات التي يجري التخلص منها، لكنه يحتاج أيضاً إلى موارد للتشغيل، وقد ينتج عنه هو الآخر مخلفات وانبعاثات ينبغي إدارتها.
كما أن النتائج تختلف باختلاف المواد الأولية المستخدمة ومصدر الطاقة المستهلكة وظروف التشغيل وطريقة معالجة البقايا.
ومن هنا، فإن وصف المشروع بأنه صديق للبيئة يحتاج إلى أدلة مرتبطة بأدائه الفعلي، مثل كمية المخلفات التي عالجها، وحجم الإنتاج، ومصير المواد المتبقية، ومستويات الانبعاثات، واستهلاك المياه والطاقة.
وهذا التقييم هو الذي يسمح بمعرفة ما إذا كانت الفوائد البيئية المحققة تتجاوز الأعباء المرتبطة بالتشغيل.
منزل بوزلفة.. ما المعطيات التي ينبغي نشرها؟
لا يمكن للدراسات الدولية وحدها أن تحسم الجدل بشأن مشروع منزل بوزلفة، لأنها لم تُنجز بالضرورة على المنشأة نفسها، ولا توفر قياسات خاصة بمحيطها.
لكنها تساعد على تحديد المؤشرات التي ينبغي الاطلاع عليها قبل إصدار أي حكم.
ومن أبرز هذه المؤشرات:
- المواد الأولية: أنواع المخلفات العضوية المستخدمة، ومصادرها، وكمياتها اليومية، وكيفية تخزينها قبل المعالجة.
- الإنتاج والمخلفات: حجم الكتلة الحيوية المنتجة، وكمية البقايا الناتجة عن العملية، والجهة التي تتولى معالجتها أو تثمينها.
- جودة الهواء: نتائج قياسات الأمونيا والغازات والروائح داخل المنشأة وفي محيطها، وفق طرق قياس مناسبة.
- المياه المستعملة: كيفية جمعها ومعالجتها، ومدى مطابقة نوعيتها لشروط التصريف المعمول بها.
- منع خروج الحشرات: الإجراءات المعتمدة لمراقبة اليرقات والذباب البالغ، وكيفية التأكد من عدم انتقالها إلى الخارج.
- المياه والطاقة: حجم الاستهلاك الفعلي، ومصادر الطاقة المستخدمة، ومدى تأثيرهما في الأثر البيئي الإجمالي.
- المراقبة المحيطة بالموقع: تقييم الحاجة إلى متابعة التربة والمياه الجوفية بحسب طبيعة الموقع وخصائصه، خاصة إذا كان قريباً من مناطق سكنية أو فلاحية.
- النقل وحركة الشاحنات: عدد الرحلات ونوعية المواد المنقولة وكيفية الحد من الروائح أو تسرب المواد خلال النقل.
ولا يتعلق الأمر بفرضية أن المشروع تسبب فعلاً في أضرار، بل بتوفير المعطيات التي تسمح بتقييم أدائه بصورة موضوعية.
الحكم بالأرقام لا بالانطباعات
المعادلة واضحة: تربية ذبابة الجندي الأسود يمكن أن توفر فرصة لتثمين المخلفات وإنتاج البروتين، لكنها تتطلب في المقابل إدارة دقيقة للانبعاثات والمياه والمخلفات وظروف التربية.
لذلك، لا يمكن اعتبار المشروع صديقاً للبيئة بصورة تلقائية لمجرد اعتماده على تقنية لإعادة تدوير المواد العضوية، كما لا يصح وصفه بأنه ملوث من دون نتائج تثبت ذلك.
وفي حالة منزل بوزلفة، فإن نشر نتائج المراقبة البيئية، وإتاحة الاطلاع على المعطيات المتعلقة بالهواء والمياه والمخلفات وإجراءات الاحتواء، من شأنهما نقل النقاش إلى مستوى أكثر جدية.
فالسكان يحتاجون إلى معلومات قابلة للتحقق، والجهة المشغلة تحتاج إلى أن تكون نتائج عملها قابلة للتقييم، فيما يتطلب الحكم العلمي مقارنة الفوائد والأعباء على أساس بيانات فعلية.
في النهاية، ليس السؤال ما إذا كانت ذبابة الجندي الأسود جيدة أم سيئة، بل ما إذا كانت المنشأة قادرة على تحقيق الفائدة التي تعد بها، مع السيطرة على الآثار البيئية المحتملة.
وهذا ما لا تحسمه الشعارات، ولا المخاوف وحدها، بل القياسات والنتائج المنشورة.
المصادر العلمية
1. معهد البحوث في الزراعة العضوية في سويسرا (FiBL)، 2023
دليل تقني حول تربية ذبابة الجندي الأسود وإنتاج البروتين من المخلفات ذات الأصل النباتي. يتناول ظروف الحرارة والرطوبة والتهوية ومنع هروب اليرقات وإدارة المخلفات.
الموقع الرسمي: https://www.fibl.org/
2. Barbi وآخرون، 2020 — مجلة Journal of Cleaner Production
دراسة حول تقييم تدفقات الكربون والنيتروجين والطاقة والانبعاثات خلال تربية ذبابة الجندي الأسود. تُستخدم نتائجها لفهم أن جزءاً من المواد الأولية يبقى في المخلفات أو يفقد عبر الانبعاثات.
للوصول إلى الدراسة: https://scholar.google.com/scholar?q=Barbi+2020+black+soldier+fly+carbon+nitrogen+greenhouse+gas+emissions
3. Wang وآخرون، 2020 — مجلة Journal of Environmental Management
دراسة حول معالجة مخلفات الطعام باستخدام يرقات ذبابة الجندي الأسود، مع بحث تحويل العناصر الغذائية والانبعاثات المرتبطة بظروف المعالجة.
للوصول إلى الدراسات ذات الصلة: https://scholar.google.com/scholar?q=Wang+2020+black+soldier+fly+food+waste+ammonia+emissions
4. دراسات ظهور ذبابة الجندي الأسود في كانتون جنيف، سويسرا
أبحاث حول وجود الحشرة في البيئة الخارجية وعلاقتها بمنشآت التربية التجارية، مع تناول مسألة قدرتها على الاستقرار في البيئة الطبيعية.
للوصول إلى الدراسات: https://scholar.google.com/scholar?q=Hermetia+illucens+Geneva+canton+invasive+commercial+facility
5. مراجعات علمية حول تقييم دورة حياة ذبابة الجندي الأسود
تتناول هذه المراجعات الأثر البيئي الإجمالي للتقنية، بما في ذلك استهلاك الطاقة والمياه، وانبعاثات غازات الدفيئة، وتأثير نوعية المواد الأولية وظروف التشغيل في النتائج.
للوصول إلى المراجعات: https://scholar.google.com/scholar?q=black+soldier+fly+life+cycle+assessment+environmental+impact+review
6. دراسات التنوع الجيني وانتشار ذبابة الجندي الأسود
أبحاث حول التنوع الجيني بين المجموعات البرية والمستأنسة، وانتشار الحشرة، والتداخل الجيني المحتمل، وهي مسائل ترتبط بأهمية مراقبة السلالات وإجراءات الاحتواء.
للوصول إلى الدراسات: https://scholar.google.com/scholar?q=Hermetia+illucens+genetic+diversity+domesticated+wild+populations+2026
