أجرى الصحفي التونسي هيثم المكي حوارًا مع صحيفة « ليبراسيون » الفرنسية، نُشر يوم السبت 25 جويلية 2026، كشف فيه عن الأسباب التي دفعته إلى عدم العودة إلى تونس عقب صدور حكم استئنافي يقضي بسجنه لمدة عام، مؤكدًا أن هذا الحكم كان العامل الحاسم في اتخاذ قرار المنفى، كما قدّم رؤيته لتطور الأوضاع السياسية والقضائية في البلاد.
وجاءت هذه التصريحات بعد عشرة أيام من إعلان الحكم الاستئنافي بسجنه عامًا واحدًا في قضية فُتحت بمدينة صفاقس في جانفي 2024، رغم أن المحكمة الابتدائية كانت قد أصدرت في وقت سابق قرارًا بحفظ القضية وعدم تتبعه، قبل أن تنقض محكمة الاستئناف ذلك القرار وتصدر حكمها بالإدانة.
الحكم الذي قاده إلى المنفى
وأوضح هيثم المكي في الحوار أن فكرة العيش خارج تونس كانت تراوده منذ عدة أشهر، معتبرًا أن تعدد القضايا والإجراءات القضائية المرفوعة ضده كان يضيّق تدريجيًا هامش مواصلة عمله الصحفي داخل البلاد.
وأشار إلى أن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف شكّل نقطة التحول الأساسية في قراره، إذ كان موجودًا خارج تونس عند صدور الحكم، وفضّل عدم العودة بعدما رأى أن احتمال إيداعه السجن أصبح كبيرًا.
وأضاف أن القضية التي أدت إلى إدانته تعود إلى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي تناول أوضاع قسم حفظ الجثث بالمستشفى الجامعي الحبيب بورقيبة بصفاقس، مذكّرًا بأن المحكمة الابتدائية كانت قد قررت حفظ القضية، قبل أن تحكم عليه محكمة الاستئناف بالسجن لمدة اثني عشر شهرًا.
كما أشار إلى أنه سبق أن خضع لعدة ملاحقات قضائية أخرى على خلفية مداخلاته الإعلامية ومنشوراته على شبكات التواصل الاجتماعي.
« القضاة هم من يقودون المشهد »
وفي معرض حديثه عن الوضع السياسي في تونس، اعتبر هيثم المكي أن البلاد شهدت تحولًا عميقًا منذ 25 جويلية 2021، ورأى أن السلطة القضائية أصبحت تحتل موقعًا محوريًا في إدارة الشأن العام.
وقال: « القضاة هم من يقودون المشهد »، معتبرًا أن الملاحقات القضائية التي تستهدف صحفيين ومعارضين ومحامين ونشطاء شهدت تزايدًا خلال السنوات الأخيرة، وأن القضاء أصبح، وفق تقديره، أحد أبرز أدوات ممارسة السلطة.
وأضاف أن الحياة السياسية شهدت انكماشًا تدريجيًا، مع تضييق مساحة النقاش العام وتزايد الضغوط على الأصوات المنتقدة.
قراءة متشائمة لتطور الأوضاع
وقدم المكي في المقابلة تقييمًا عامًا لمسار الأوضاع في تونس، معتبرًا أن البلاد دخلت مرحلة من التراجع السياسي وتقييد الحريات، تميزت بإضعاف مؤسسات الرقابة وتزايد الملاحقات القضائية بحق المعارضين.
كما تحدث عن الصعوبات التي تواجهها قوى المعارضة في التنظيم والدفاع عن مشاريعها السياسية في ظل ما وصفه ببيئة تزداد تضييقًا، مشيرًا إلى أن النقاش العام أصبح أكثر فقرًا، وأن وسائل الإعلام الناقدة لم يعد لديها سوى هامش محدود للتحرك.
وفي ختام الحوار، أكد هيثم المكي أنه لا يعرف موعدًا يمكنه فيه العودة إلى تونس، لكنه شدد على عزمه مواصلة نشاطه الصحفي من الخارج والاستمرار في التعبير عن آرائه بشأن تطورات الأوضاع في بلاده.
