اعترف شاب تونسي يدعى رضا الرحموني يبلغ من العمر 26 عامًا بقتل الصحفي الرياضي الإيطالي لويجي « لوكا » إسبوزيتو، الذي عُثر على جثته متفحمة في منطقة ريفية بمدينة إيبولي التابعة لمحافظة ساليرنو جنوب إيطاليا، في جريمة هزت الرأي العام الإيطالي وأثارت جدلًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا، خاصة بعد أن تبين أن المشتبه به كان يقيم في البلاد بطريقة غير نظامية وكان خاضعًا لقرار ترحيل لم يُنفذ.
وتواصل النيابة العامة في ساليرنو تحقيقاتها في القضية، مؤكدة أن المتهم قدم اعترافًا مفصلًا بارتكاب الجريمة، لكنها ما تزال تتكتم على الدوافع الحقيقية، مكتفية بالإشارة إلى أنها ترتبط بـ »أسباب شخصية وخاصة ».
وأعلنت السلطات الإيطالية، السبت، أن عناصر الدرك (الكارابينييري) تمكنوا من إلقاء القبض على المشتبه به خلال عملية أمنية نفذت في ساعة متأخرة من مساء الجمعة، داخل منزل مهجور يقع في منطقة « تشيوفي » الريفية بمدينة إيبولي، على مسافة غير بعيدة من المكان الذي عُثر فيه على جثة الصحفي.
وحاول الشاب التونسي، ويدعى رضا الرحموني، التحصن داخل المبنى عند وصول قوات الأمن، قبل أن يستسلم ويتم توقيفه.
وخلال عملية التفتيش، عثر المحققون بحوزته على الهاتف المحمول الخاص بالضحية، إضافة إلى بطاقة دفع إلكترونية تعود إليه، وهو ما عزز الأدلة ضده.
بصمة قادت إلى كشف هوية القاتل
وأكد المحققون أن تحديد هوية المشتبه به جاء نتيجة تضافر عدة أدلة جنائية وتقنية، من بينها نظام تحديد الموقع الجغرافي (GPS)، إلى جانب بصمة إصبع عُثر عليها فوق صندوق أمتعة سيارة الصحفي، التي كانت متوقفة بالقرب من موقع العثور على الجثة.
وأشرفت النيابة العامة في ساليرنو، بقيادة المدعي العام رافاييلّي كانتوني، على سير التحقيقات منذ الساعات الأولى لاكتشاف الجريمة.
وأمام وكيل الجمهورية، قرر المشتبه به الإدلاء باعتراف كامل، حيث روى بالتفصيل ما حدث خلال لقائه بالصحفي.
وبحسب بيان النيابة العامة، فقد أوضح المتهم الأسباب التي دفعته إلى ارتكاب الجريمة، إلا أن سلطات التحقيق رفضت الكشف عنها في هذه المرحلة، حفاظًا على سرية التحقيق.
وتشير المصادر القضائية إلى أن القضية تتعلق بـ »دوافع خاصة وشخصية »، دون تقديم أي تفاصيل إضافية.
علاقة سابقة بين الضحية والمتهم
وأظهرت التحقيقات أن الصحفي لويجي إسبوزيتو والمتهم كانا يعرفان بعضهما منذ نهاية شهر جوان الماضي، وأنهما كانا على تواصل هاتفي عدة مرات قبل أن يلتقيا يوم الأحد 19 جويلية، وهو اليوم الذي شهد وقوع الجريمة.
وبحسب إعادة بناء الوقائع من قبل المحققين، فقد وصل المتهم إلى مكان اللقاء على متن دراجة هوائية، قبل أن ينشب بينهما شجار عنيف.
وتفيد نتائج التحقيق الأولية بأن المتهم وجه للضحية ضربات متكررة تسببت له في كسور متعددة، ثم قام بخنقه حتى فارق الحياة، قبل أن يعمد إلى إحراق الجثة باستعمال مواد بلاستيكية وبطانية وأعشاب يابسة، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.
ووصف المدعي العام الجريمة بأنها « وحشية للغاية »، بالنظر إلى الطريقة التي ارتكبت بها.
إقامة غير نظامية وقرار ترحيل غير منفذ
وكشفت السلطات الإيطالية أن المشتبه به دخل إيطاليا قبل سنوات، وخضع في أوت 2023 لإجراءات التسجيل في مركز استقبال المهاجرين بجزيرة لامبيدوزا، قبل أن يتم تسجيله لاحقًا لدى شرطة مدينة سافونا.
وفي ديسمبر 2024، رفضت سلطات مدينة ساليرنو منحه تصريح إقامة، وصدر بحقه قرار يقضي بترحيله من الأراضي الإيطالية، غير أن القرار لم يُنفذ، ليواصل إقامته بصورة غير قانونية.
كما تبين أنه استخدم اسمًا مستعارًا في بعض المناسبات، وسجلت بحقه سابقًا قضية تتعلق باحتلال مسكن بصورة غير قانونية في منطقة ألتافيلا سيليتينا، دون أن تكون له سوابق جنائية أخرى.
سجال سياسي حول الهجرة
ولم تمض ساعات على إعلان توقيف المشتبه به حتى دخلت القضية دائرة التجاذب السياسي، إذ استغل نائب رئيس الوزراء الإيطالي ووزير البنية التحتية والنقل ماتيو سالفيني الواقعة لتوجيه انتقادات حادة لسياسات الهجرة.
وكتب سالفيني عبر منصة « إكس » أن المشتبه به « تونسي يقيم بصورة غير قانونية »، مطالبًا بأن يقضي عقوبة السجن في بلده الأصلي « وليس على نفقة دافعي الضرائب الإيطاليين ».
وتأتي هذه التصريحات في سياق الجدل المستمر داخل إيطاليا بشأن ملفات الهجرة غير النظامية، وتنفيذ قرارات الترحيل بحق المهاجرين الذين رُفضت طلبات إقامتهم.
تحذير من استغلال الحياة الخاصة للضحية
في المقابل، دعت جمعية « أركيڨاي » في مدينة ساليرنو إلى عدم استغلال القضية لإطلاق تكهنات حول الحياة الخاصة للصحفي القتيل.
وقالت الجمعية إن وسائل إعلام ومنصات تواصل اجتماعي بدأت تربط الجريمة بتوجهات الضحية أو بعلاقاته الشخصية، مؤكدة أن « الميول الجنسية، سواء كانت حقيقية أو مفترضة، ليست خبرًا ولا يمكن استخدامها لتفسير جريمة قتل ».
كما طالب مدير قناة أوتو شانيل، التي كان إسبوزيتو يعمل فيها محللًا رياضيًا، بوقف ما وصفه بحملات التشهير والتعليقات المسيئة على شبكات التواصل الاجتماعي، داعيًا إلى احترام ذكرى الصحفي وعدم تحويل المأساة إلى مادة للمزايدات أو الشائعات.
التحقيق مستمر
ورغم الاعتراف الكامل، لا تزال النيابة العامة الإيطالية تعتبر الملف مفتوحًا، إذ يواصل المحققون فحص الاتصالات والرسائل واللقاءات السابقة بين الضحية والمتهم، في محاولة لفهم الخلفية الكاملة للجريمة وتحديد الدافع الحقيقي الذي لم يُعلن عنه حتى الآن.
ومن المنتظر أن يمثل المتهم أمام قاضي التحقيق للنظر في تثبيت أمر إيقافه، بينما تواصل السلطات القضائية جمع الأدلة واستكمال بقية الإجراءات قبل توجيه الاتهامات الرسمية وإحالة الملف إلى القضاء.



