لم يتسبب انقطاع الكهرباء الذي شهدته الجزائر ليلة 14 إلى 15 جويلية 2026 في انقطاع مباشر للتيار في تونس، لكنه كشف هشاشة منظومة تعتمد فيها تونس بدرجة كبيرة على جارتها في الغاز والكهرباء، في وقت تواجه فيه البلاد ارتفاعاً متواصلاً في الطلب على الطاقة وموجات حر قياسية. ففي الجزائر، أدى عطب تقني استثنائي في منشأة كهربائية بمنطقة سيدي عقبة بولاية بسكرة إلى اضطراب واسع طال 16 ولاية، في اليوم التالي لتسجيل البلاد رقماً قياسياً في الطلب على الكهرباء بلغ نحو 21.870 ميغاواط، وسط درجات حرارة قاربت 48 درجة مئوية.
وبالنسبة إلى تونس، تأتي هذه الحادثة في ظرف أكثر حساسية: الغاز الطبيعي يوفر نحو 91% من إنتاج الكهرباء، فيما لا تتجاوز الطاقات المتجددة 9% تقريباً، بينما يتم تأمين قرابة ثلاثة أرباع الغاز المتاح من الجزائر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جانب استيراد نحو 10% من الكهرباء عبر الربط مع الشبكة الجزائرية. ومع ارتفاع الطلب المحلي بنحو 5% سنوياً وغياب هامش مريح من القدرات الاحتياطية، يصبح أي اضطراب كبير في الإمدادات الجزائرية عاملاً يمكن أن يضغط بشدة على المنظومة التونسية، خصوصاً خلال فترات الذروة الصيفية.
الجزائر.. عندما تكشف الحرارة هشاشة الشبكة
الحادث الجزائري لم يكن، وفق المعطيات الرسمية، نتيجة نقص في القدرة الإنتاجية. فالجزائر تمتلك قدرة إنتاجية مركبة تفوق ذروة الطلب بشكل مريح، لكن العطب في منشأة واحدة أظهر أن قوة المنظومة لا تقاس فقط بعدد محطات الإنتاج، وإنما أيضاً بقدرة شبكة النقل والتوزيع على تحمل الأعطال المفاجئة.
وقد تزامن الانقطاع مع موجة حر شديدة رفعت الطلب على الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، لتصبح الشبكة أمام ضغط مزدوج: استهلاك قياسي ودرجات حرارة مرتفعة تؤثر في المحطات ومعدات النقل.
وهذا هو الجانب الذي يستحق التوقف عنده في تونس، لأن موجات الحر لم تعد أحداثاً استثنائية قصيرة، بل أصبحت عاملاً يجب أن يدخل في حسابات التخطيط للطاقة.
تونس.. الاعتماد المزدوج
تتمثل خصوصية الحالة التونسية في أن الجزائر توفر للبلاد مصدرين أساسيين في الوقت نفسه.
الأول هو الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه محطات إنتاج الكهرباء بدرجة كبيرة، والثاني هو الكهرباء نفسها التي يتم استيراد جزء منها عندما يتجاوز الطلب قدرة الإنتاج المحلي.
وبذلك، فإن أي اضطراب كبير في الجانب الجزائري يمكن أن يتحول من مشكلة في بلد مجاور إلى عامل ضغط على تونس، حتى وإن لم يكن هناك انقطاع مباشر للتيار.
ولا يعني ذلك أن انقطاع جويلية في الجزائر تسبب في أزمة كهرباء تونسية، وإنما يكشف عن مخاطر الاعتماد على مصدر خارجي واحد في منظومة تحتاج إلى الإمدادات بصورة مستمرة، وخاصة خلال ساعات الذروة.
وزير الصناعة السابق.. الدرس ليس في الجزائر فقط
من هذه الزاوية، تكتسب ملاحظات وزير الصناعة السابق حول العلاقة الطاقية بين تونس والجزائر أهمية خاصة. فالمسألة ليست في التشكيك في التعاون بين البلدين، الذي يمثل أحد أعمدة الأمن الطاقي التونسي، وإنما في طرح سؤال حول حجم البدائل المتاحة عندما تتعرض إحدى حلقات المنظومة إلى اضطراب.
فتونس لا تحتاج إلى تقليص تعاونها مع الجزائر، بل إلى توسيع هامش الأمان بالتوازي مع هذا التعاون، من خلال تسريع مشاريع الطاقات المتجددة، وتطوير تخزين الكهرباء، وتحديث شبكات النقل، وإضافة قدرات إنتاجية جديدة، والعمل على تقليص هشاشة منظومة الغاز.
فالاعتماد المتبادل يمكن أن يكون مصدر قوة عندما تتوفر البدائل، لكنه يصبح نقطة ضعف عندما لا يكون هناك هامش كافٍ للمناورة.
الطاقة الشمسية.. الحل الذي لم يكتمل بعد
شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة توسعاً في الطاقة الشمسية، لكن مساهمتها في إنتاج الكهرباء لا تزال محدودة مقارنة بالغاز.
وتكمن المشكلة في أن رفع إنتاج الكهرباء من الشمس لا يكفي وحده. فالشبكة تحتاج أيضاً إلى بطاريات تخزين وقدرات مرنة وخطوط نقل قادرة على استيعاب الإنتاج الجديد، حتى تصبح الطاقات المتجددة جزءاً فعلياً من منظومة الأمن الكهربائي، وليس مجرد قدرة إضافية.
وهنا يمكن أن يتحول درس الجزائر إلى فرصة لتونس: الاستثمار في الشبكة والتخزين لا يقل أهمية عن الاستثمار في محطات الإنتاج.
السؤال الذي يفرضه صيف 2026
لم يكن انقطاع الكهرباء في الجزائر مجرد حادث تقني بالنسبة إلى تونس. لقد كان تذكيراً بأن الأمن الكهربائي لا يتعلق فقط بكمية الكهرباء التي تنتجها الدولة، بل أيضاً بمصادر الغاز، وخطوط الربط، وقدرة الشبكات على تحمل الصدمات، وحجم الاحتياطي المتاح عند ارتفاع الطلب.
وفي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الجزائري ويستورد جزءاً من كهربائه من الجارة الشرقية، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
ماذا ستفعل تونس إذا تزامنت موجة حر قياسية مع ذروة في الطلب واضطراب مؤقت في الكهرباء أو الغاز القادم من الجزائر؟
ربما يكون هذا هو الدرس الحقيقي من صيف 2026: الجزائر تحتاج إلى تحصين شبكتها، وتونس تحتاج قبل ذلك إلى تحصين هامش أمانها.
