من الترويج في الأحياء إلى قيادة الشبكات وتهريب الكوكايين عبر المطارات
لم تعد المرأة في ملفات المخدرات في تونس مجرد اسم عابر في قائمة الموقوفين.
في الأشهر الأخيرة، بدأت تظهر في محاضر وقضايا مختلفة بصور تستحق التوقف: امرأة يُشتبه في قيادتها شبكة لترويج الإكستازي بين قفصة وسوسة، شابة تقود شبكة لبيع الأقراص المخدرة في قلب العاصمة، نساء في شبكات تستهدف الشباب، ثلاث نساء يحكمن عليهن بعقوبات تصل إلى 30 سنة بعد محاولة إدخال أكثر من أربعة كيلوغرامات من الكوكايين عبر مطار تونس قرطاج، وامرأة أخرى في العقد السادس من عمرها في قضية تهريب كوكايين.
فهل نحن أمام مجرد سلسلة من القضايا المتفرقة؟
أم أن موقع المرأة داخل منظومة المخدرات في تونس بدأ يتغير؟
السؤال لا يتعلق هذه المرة بالاستهلاك فقط، وإنما بـالدور الذي تلعبه المرأة داخل سلسلة المخدرات: من النقل إلى الترويج، ومن التهريب إلى إدارة الشبكات.
قفصة… المرأة في رأس الخيط
آخر فصول هذه القصة جاء من قفصة أول أمس 24 أوت 2026.
فقد تمكنت فرقة الشرطة العدلية بالجهة من تفكيك شبكة تنشط في ترويج الأقراص المخدرة، وكانت امرأة في العقد الثالث من العمر، أصيلة قفصة، في موقع قيادي وفق المعطيات الأولية للتحقيق.
كانت تتنقل إلى سوسة لجلب كميات متفاوتة من الأقراص، ثم تعود إلى قفصة لتسليمها إلى بقية أفراد المجموعة، الذين يتولون ترويجها في عدد من الأحياء الشعبية، باستعمال سيارة أجرة.
العملية انتهت بإيقاف ثلاثة أشخاص وإدراج آخرين بالتفتيش.
القضية لا تزال في طور البحث، ولذلك تبقى المسؤوليات والوقائع خاضعة لما ستكشفه التحقيقات والقضاء.
لكن دلالتها الصحفية واضحة:
امرأة ليست فقط داخل الشبكة… بل يُشتبه في أنها كانت في مركز إدارتها.
قبل قفصة… امرأة أخرى في قلب تونس
في جوان 2026، ظهرت قضية أخرى أكثر قربًا من قلب العاصمة.
الشرطة العدلية بتونس المدينة فككت شبكة من ثلاثة أشخاص، قالت المعطيات الأولية إنها كانت تدار من شابة.
الشبكة كانت تنشط في بيع الأقراص ذات التأثير النفسي لرواد المقاهي والمطاعم في محيط شارع الحبيب بورقيبة والمدينة العتيقة وشارع الحرية، واستهدفت خصوصًا الشباب.
وحجزت الوحدات الأمنية كميات من الأقراص ومبالغ مالية يشتبه في ارتباطها بالنشاط غير القانوني.
مرة أخرى، تظهر المرأة في موقع القيادة، وليس في موقع المتلقي فقط.
وهنا تبدأ الصورة في التشكل.
امرأة في قفصة. امرأة في وسط العاصمة. وفي الحالتين، الحديث عن قيادة أو إدارة شبكة ترويج.
هل هي مصادفة؟
لا يمكن للأرقام المتاحة أن تجيب.
لكنها تستحق البحث.
شبكة نسائية تستهدف الشباب
وفي أفريل 2026، أعلنت السلطات عن تفكيك شبكة مكونة من نساء في منطقة جبل الأحمر بالعاصمة.
المعطيات الأولية تحدثت عن نشاط في ترويج الكوكايين والقنب الهندي، مع حجز ميزان إلكتروني ومبالغ مالية.
والأهم أن التحقيقات الأولية أشارت إلى استهداف الشباب، ومن بينهم مرتادو المؤسسات التعليمية.
وهنا يتغير السؤال من جديد.
إذا كانت المرأة موجودة في حلقة الترويج، وإذا كانت بعض الشبكات تستهدف الشباب، فهل بدأت بعض النساء تلعب دورًا في الوصول إلى فئات اجتماعية يصعب على المروج التقليدي الوصول إليها؟
هذا سؤال يحتاج إلى أبحاث ميدانية وقضائية، وليس إلى استنتاجات مسبقة.
لكن الملفات القضائية تجعل طرحه مشروعًا.
من الحي الشعبي إلى مطار تونس قرطاج
التحول الأكثر إثارة يظهر عندما نغادر سوق الترويج المحلي ونصل إلى التهريب الدولي.
في يوليو 2026، أصدرت المحكمة الابتدائية بتونس أحكامًا بالسجن تراوحت بين 20 و30 سنة ضد ثلاث نساء في قضية تهريب كوكايين عبر مطار تونس قرطاج.
النساء الثلاث أوقفن أثناء محاولة إدخال أكثر من أربعة كيلوغرامات من الكوكايين إلى تونس.
المخدر كان مخفيًا تحت الملابس، وفق المعطيات المنشورة حول القضية.
لم تعد المرأة هنا مجرد حلقة في الترويج داخل حي.
نحن أمام عملية إدخال مخدرات عبر الحدود الجوية، وفي قضية انتهت بعقوبات قضائية ثقيلة.
40 سنة لامرأة… وشبكة تمتد بين إفريقيا وتونس
وفي فيفري 2026، كشفت قضية أخرى عن صورة أكثر وضوحًا.
المحكمة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس قضت بـ40 سنة سجنا وخطية مالية قدرها 300 ألف دينار ضد امرأة وصفت بأنها رئيسة شبكة دولية لتهريب الكوكايين بين بلد إفريقي وتونس.
كما صدرت أحكام تراوحت بين 20 و30 سنة ضد ثلاثة نساء ورجل من الشبكة.
وتحدثت المعطيات المنشورة عن أساليب لإخفاء المخدرات، بينها إخفاؤها داخل الملابس الداخلية.
إذا صحت الوقائع التي انتهى إليها الحكم، فإننا لا نتحدث عن امرأة استُخدمت في عملية واحدة، وإنما عن امرأة وضعت في موقع قيادة شبكة دولية.
وهنا يصبح عنوان التحقيق أكثر إلحاحًا:
هل تغيّر موقع المرأة؟
حتى العمر لم يعد صورة نمطية
وفي أكتوبر 2025، قضت المحكمة الجنائية بتونس بالسجن عشر سنوات ضد شابتين في قضية ترويج مخدرات داخل نوادي ليلية في قمرت.
أوقفتهما الوحدات الأمنية في كمين، وحجزت بحوزتهما كوكايين وقنبًا وأقراصًا ذات تأثير نفسي.
القضية تضع المرأة في موقع آخر: الترويج داخل فضاءات الحياة الليلية.
وفي المقابل، ظهرت في ملف آخر امرأة تونسية في سن متقدمة، في قضية تهريب كوكايين عبر مطار تونس قرطاج.
أي أن الصورة لا تتعلق بفئة عمرية واحدة.
المرأة كناقلة… والمرأة كعنصر في شبكة
عند جمع هذه القضايا، تظهر أدوار متعددة:
امرأة يُشتبه في إدارتها شبكة ترويج.
امرأة تقود شبكة لبيع الأقراص في وسط العاصمة.
نساء داخل شبكات تستهدف الشباب.
نساء في تهريب الكوكايين عبر المطار.
نساء داخل شبكات دولية.
ونساء يظهرن في عمليات ترويج داخل الملاهي الليلية.
هذه ليست وظيفة واحدة.
وهنا تكمن أهمية التحقيق.
المرأة، في بعض الملفات الجديدة، لم تعد مجرد «حاملة» للمخدرات.
بل تظهر في أكثر من حلقة من السلسلة.
لكن هل نستطيع القول إن النساء أصبحن جزءًا أساسيًا من سوق المخدرات؟
هنا يجب التوقف.
الأرقام الرسمية التي قدمتها وزارة الداخلية أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في جوان 2026 تكشف اتساع الظاهرة بشكل كبير.
فخلال 2025 سجلت تونس 15,253 قضية مخدرات، تورط فيها 27,338 شخصًا.
وتقول المعطيات إن 89% من المتورطين ينتمون إلى الفئة العمرية بين 19 و40 سنة.
كما تم خلال السنة نفسها حجز أكثر من 2.59 مليون قرص مخدر و131.8 كلغ من الكوكايين.
لكن هذه الأرقام لا تقدم تفصيلاً شاملاً حسب الجنس.
وبالتالي لا يمكن القول علميًا إن النساء يمثلن نسبة متزايدة من المتورطين، ولا يمكن الحديث عن «ظاهرة نسائية» بالمعنى الإحصائي.
لكن يمكن القول شيئًا آخر:
القضايا القضائية والأمنية الحديثة تُظهر نساء في أدوار أكثر تنوعًا وخطورة داخل منظومة المخدرات.
وهذا وحده يستحق التحقيق.
لماذا المرأة؟
هذا هو السؤال الأصعب.
لماذا تظهر بعض النساء في شبكات المخدرات؟
هل تستغل الشبكات الصورة الاجتماعية للمرأة باعتبارها أقل إثارة للشبهة في بعض الظروف؟
هل يتم استقطاب النساء بسبب الحاجة الاقتصادية؟
هل تتحول بعض المستهلكات إلى مروجات؟
هل توجد علاقات عاطفية أو عائلية تجعل المرأة تدخل إلى الشبكة؟
هل تلعب شبكات دولية دورًا في تجنيد نساء لنقل المخدرات؟
أم أن المسألة أبسط: توسعت سوق المخدرات نفسها، فأصبح من الطبيعي أن تظهر فيها شرائح اجتماعية أكثر تنوعًا؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال محاضر الإيقاف وحدها.
نحتاج إلى القضاء، والسجون، والدراسات الاجتماعية، ومصالح مكافحة المخدرات، والأطباء النفسيين، والجمعيات العاملة مع المدمنين، والأهم شهادات نساء خرجن من هذه الدائرة.
المخدرات نفسها تتغير
المسألة لا تتعلق فقط بمن يبيع.
وزارة الداخلية تحدثت أمام البرلمان عن تنوع أصناف المخدرات وتنامي استهلاك الأقراص المخدرة، في وقت أصبحت فيه تونس جزءًا من مسارات جريمة منظمة وعابرة للحدود.
الشرطة والديوانة حجزتا في 2025 كميات ضخمة من الأقراص والكوكايين.
وبذلك فإن سوق المخدرات نفسها أصبحت أكثر تنوعًا.
الكوكايين موجود.
الأقراص موجودة.
القنب الهندي موجود.
والمخدرات ذات التأثير النفسي أصبحت حاضرة في قضايا الترويج داخل المدن.
وهذا يعني أن المرأة التي تدخل هذه السوق قد لا تدخلها في الدور نفسه الذي كان متاحًا قبل سنوات.
من المستهلكة إلى المروجة؟
ربما تكون هذه إحدى أهم الزوايا التي تحتاج إلى بحث.
هناك فرق هائل بين امرأة ضبطت في قضية استهلاك وبين امرأة تقود شبكة ترويج.
وبين امرأة تنقل كمية صغيرة وبين امرأة تشارك في تهريب كيلوغرامات من الكوكايين عبر مطار دولي.
وبين شخص يستغل مرة واحدة وبين شخص يشارك في شبكة منظمة.
لهذا فإن وضع جميع النساء في خانة واحدة سيكون خطأ.
لكن تعدد الملفات يفرض سؤالًا جديدًا:
هل تنتقل بعض النساء في تونس من موقع المستهلكة أو الحلقة الهامشية إلى موقع الفاعل داخل شبكة المخدرات؟
القضايا الأخيرة تقول إن هذا الاحتمال موجود.
أما حجمه الحقيقي، فما زال مجهولًا.
الرقم الذي نحتاج إليه
في ظل وجود 27,338 مورطًا في قضايا مخدرات خلال سنة واحدة، يصبح من غير المقبول صحفيًا الاكتفاء بعدّ القضايا النسائية التي تظهر في الأخبار.
السؤال الذي يجب أن يوجه رسميًا إلى وزارة الداخلية ووزارة العدل والهيئة العامة للسجون والإصلاح هو:
كم امرأة أوقفت في قضايا مخدرات خلال 2025؟
وكم منهن متهمات بالاستهلاك؟
كم منهن متهمات بالترويج؟
كم منهن متهمات بالتهريب؟
كم منهن صدر ضدهن حكم نهائي؟
وكم امرأة تقبع حاليًا في السجون التونسية بسبب قضايا المخدرات؟
ثم يأتي السؤال الأهم:
هل ارتفعت هذه الأرقام خلال السنوات العشر الأخيرة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام تحول حقيقي.
وإذا كانت الإجابة لا، فإن ما نراه اليوم قد يكون مجرد ظهور إعلامي أكبر لظاهرة قديمة.
