في ظل تواصل أزمة المياه الصالحة للشراب في عدد من جهات الجمهورية، وتزايد صعوبة الحصول على المياه المعلبة، بدأت حلول فردية تفرض نفسها على التونسيين، من بينها أجهزة تنقية المياه المعروفة باسم «الأوسموزور» ، أو تقنية التناضح العكسي.
ومع انتشار هذه الأجهزة داخل المنازل، تصاعد الجدل حول مدى صلاحية المياه التي تنتجها للاستهلاك، بين من يعتبرها حلاً عملياً لتجاوز أزمة المياه، ومن يحذّر من مخاطر إزالة المعادن والأملاح الضرورية من الماء.
وفي هذا السياق، يرى الخبير البيئي حمدي حشاد أن النقاش حول «الأوسموزور» يجب أن يستند إلى العلم والمعطيات التقنية، بعيداً عن الأحكام المطلقة والشعبوية.
كيف يعمل «الأوسموزور»؟
يوضح حشاد أن تقنية التناضح العكسي تقوم على دفع المياه تحت ضغط عبر غشاء شبه نافذ، بما يسمح بإزالة نسبة كبيرة من الأملاح الذائبة وبعض المعادن الثقيلة والملوثات، وذلك بحسب نوع الجهاز وجودة الغشاء ومواصفاته.
ويقرّ الخبير بأن العملية تؤدي بالفعل إلى خفض نسبة بعض المعادن، خصوصاً الكالسيوم والمغنيسيوم، إلا أن ذلك لا يعني، في حد ذاته، أن المياه الناتجة تصبح غير صالحة للشرب.
فهناك أجهزة تتضمن مرحلة تعرف باسم أو إعادة التمعدن، يتم خلالها تمرير المياه بعد التناضح العكسي عبر خرطوشة تعيد إليها كميات مدروسة من بعض المعادن، من بينها الكالسيوم والمغنيسيوم، بما يساعد أيضاً على تحسين المذاق وتوازن درجة الحموضة.
وبالتالي، فإن الحكم على الجهاز، وفق حشاد، لا يمكن أن يكون بعبارة عامة من نوع «الأوسموزور مضر» أو «غير صالح للشرب»، وإنما يجب أن يرتبط بنوعية الجهاز، ومصدر المياه، ومواصفاته التقنية، وطريقة تركيبه واستعماله وصيانته.
المشكلة ليست في التكنولوجيا بل في الصيانة
ويؤكد حشاد أن أي تقنية لمعالجة المياه يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر إذا لم تتم صيانتها بالشكل المطلوب.
فالفلاتر والأغشية والقطع التي تدخل في عملية التنقية لها آجال استعمال محددة، وعدم تغييرها في الوقت المناسب يمكن أن يؤثر في جودة المياه، وهو ما يجعل الصيانة الدورية عنصراً أساسياً في سلامة الجهاز.
كما أن اختيار جهاز مناسب يجب أن يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المياه التي تدخل إليه، وليس الاكتفاء بشراء جهاز كيفما كان مصدره أو نوعه.
ماذا عن المياه التي يهدرها «الأوسموزور»؟
من أكثر الانتقادات الموجهة إلى التناضح العكسي مسألة استهلاك كميات إضافية من المياه.
ويعتبر حشاد أن هذا النقد مشروع، لكنه يحتاج إلى الدقة.
فالأجهزة التقليدية يمكن أن تطرح تقريباً بين لترين وأربعة لترات من المياه مقابل كل لتر من المياه المصفاة، وقد تكون النسبة أعلى في بعض الأجهزة، في حين أن التقنيات الحديثة ذات الكفاءة الأعلى قادرة على تقليص هذه النسبة بشكل واضح.
لكن المياه التي يتم التخلص منها لا تعني بالضرورة أنها «مياه ملوثة» أو غير قابلة للاستعمال.
ويشير حشاد إلى أنها تكون عادة أكثر تركيزاً في الأملاح والمواد التي حجزها الغشاء، ويمكن، بحسب طبيعة المياه ومواصفات الجهاز، جمعها وإعادة استخدامها في بعض الاستعمالات المنزلية غير الغذائية، مثل تنظيف الأرضيات أو المراحيض، مع تجنب شربها أو تخزينها لفترات طويلة.
هل الأوسموزور أفضل من المياه المعلبة؟
بالنسبة إلى حشاد، المسألة لا يمكن اختزالها في الدفاع عن تقنية على حساب أخرى، بل يجب النظر إليها من زاوية أوسع تشمل المياه والطاقة والبلاستيك والصيانة والبصمة البيئية.
ويستشهد في هذا السياق بما يورده موقع شبكة البصمة المائية حول ما يسمى «المياه الافتراضية» المرتبطة بإنتاج السلع، مشيراً إلى أن إنتاج قارورة مياه معدنية بحجم 1.5 لتر يرتبط ببصمة مائية أكبر بكثير من كمية المياه الموجودة داخل القارورة نفسها.
ومن هذا المنطلق، يرى أن استعمال جهاز تناضح عكسي داخل المنزل يمكن أن يمثل، في بعض الحالات، خياراً بيئياً واقتصادياً أفضل من الاعتماد المستمر على المياه المعلبة، خصوصاً إذا كان الجهاز عالي الكفاءة ويتم التخلص من المياه المرفوضة بطريقة تسمح بإعادة استخدامها.
ويقول حشاد، في تجربته الشخصية، إنه لم يلاحظ ارتفاعاً في فاتورة المياه منذ تركيب الجهاز، نظراً إلى اعتماد الأسرة أساساً على ترشيد الاستهلاك، كما يتم جمع المياه الناتجة عن عملية التناضح العكسي وإعادة استعمالها، خاصة في تنظيف الحمام.
وفي المقابل، أدى استعمال الجهاز، وفق تجربته، إلى تقليص الاعتماد على المياه المعلبة وبالتالي الحد من استهلاك العبوات البلاستيكية.
«الأوسموزور» ليس معجزة.. وليس خطراً مطلقاً
الموقف العلمي، وفق الخبير البيئي، لا يفترض تقديس التكنولوجيا ولا الدفاع الأعمى عنها، كما لا يبرر في المقابل إصدار أحكام قطعية ضدها دون الاستناد إلى معطيات علمية.
فصلاحية استعمال جهاز التناضح العكسي ترتبط بمجموعة من العوامل: جودة مياه الشبكة، نوع الجهاز، كفاءة الغشاء، وجود مرحلة إعادة التمعدن عند الحاجة، احترام آجال تغيير الفلاتر، الصيانة الدورية، وكيفية التعامل مع المياه الناتجة عن عملية التنقية.
ومن هنا، فإن السؤال الصحيح ليس: «هل الأوسموزور مضر أم مفيد؟»، وإنما: أي جهاز؟ لأي نوع من المياه؟ وبأي مواصفات؟ وكيف تتم صيانته واستعماله؟
حشاد: نحترم الاختصاص.. ونحترم عقول التونسيين
وينتقد حمدي حشاد ما يعتبره انتشاراً لما وصفه بـ**«الشعبوية العلمية»**، حيث يتحول البعض إلى خبير في كل شيء، من البطاطا إلى السياسة والرياضة واللقاحات، وصولاً إلى تقنيات معالجة المياه، دون امتلاك الحد الأدنى من الاختصاص أو المعرفة العلمية.
ويؤكد أن النقد العلمي مرحب به، والنقاش المواطن والمسؤول ضروري، لكن إصدار أحكام نهائية في مسائل تقنية وصحية معقدة دون معرفة أو اختصاص لا يخدم المستهلك ولا يساعد على مواجهة أزمة المياه.
فالجدل حول «الأوسموزور» يجب، في نهاية المطاف، أن يكون نقاشاً حول المواصفات والمعايير والصيانة وجودة المياه، لا مسابقة في إطلاق الأحكام.
ويختصر حشاد موقفه بالقول إن المطلوب اليوم هو احترام الاختصاص، والأهم احترام عقول التونسيين، خصوصاً في ملف حساس مثل مياه الشرب، حيث يمكن للمعلومة الدقيقة أن تحمي صحة المواطن، بينما يمكن للمعلومة الخاطئة أن تدفعه إلى خيارات أكثر خطورة.
