لم يعد زيت الزيتون التونسي في السوق الأوروبية مجرد قصة تصدير ناجحة من الضفة الجنوبية للمتوسط، بل بدأ يتحول إلى عنوان لمعركة أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول قواعد المنافسة نفسها، مع تصاعد اعتراضات المنتجين في إسبانيا والبرتغال على الطريقة التي تدخل بها كميات من الزيت التونسي إلى السوق الأوروبية.
وفي تقرير نشره موقع «صوت الحقل» البرتغالي تحت عنوان: «بروكسل تفتح الباب أمام زيت الزيتون التونسي.. هل بدأت هذه التجارة في تجفيف السوق الأوروبية؟»، برزت تساؤلات حول تأثير الواردات التونسية، ولا سيما تلك المرتبطة بنظام التصنيع النشط، على المنتجين الأوروبيين.
ويأتي هذا النقاش في توقيت حساس للغاية بالنسبة إلى قطاع زيت الزيتون الأوروبي، مع اقتراب موسم جديد في وقت لا تزال فيه كميات من إنتاج الموسم السابق تبحث عن مشترين.
من زيت تونسي منافس إلى قضية أوروبية
جوهر المعركة الجديدة لا يتعلق، حتى الآن، بالمطالبة بمنع زيت الزيتون التونسي من دخول أوروبا، وإنما بطريقة تطبيق نظام التصنيع النشط الذي يسمح بإدخال مواد أولية من خارج الاتحاد الأوروبي مع تعليق الرسوم الجمركية، على أساس إخضاعها لعمليات تصنيع أو معالجة ثم إعادة تصديرها وفق شروط محددة.
غير أن هذا النظام أصبح موضع تساؤل في قطاع زيت الزيتون.
والسؤال الذي بدأ يطرح نفسه في إسبانيا والبرتغال هو: هل ما يدخل إلى أوروبا باعتباره مادة أولية يخضع فعلاً لعملية تصنيع تبرر الاستفادة من النظام، أم أن جزءاً من هذه المنتجات يدخل في صورة قريبة جداً من المنتج النهائي؟
وتكتسب المسألة حساسية أكبر عندما يتعلق الأمر بزيت الزيتون البكر الممتاز.
أرقام تونسية تثير القلق
بحسب المعطيات التي أثارتها السلطات والجهات المهنية في الأندلس، دخل 61.6 بالمائة من زيت الزيتون التونسي المستورد إلى إسبانيا سنة 2025 عبر نظام التصنيع النشط.
وخلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، ارتفعت النسبة إلى 76.3 بالمائة.
كما شكل زيت الزيتون البكر الممتاز نحو 75 بالمائة من الزيت التونسي الداخل في عمليات التصنيع النشط خلال الفترة الأولى من سنة 2026.
لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى البرتغال هو أن 100 بالمائة من واردات زيت الزيتون التونسي إلى البلاد خلال سنة 2025 كانت مرتبطة بهذا النظام، كما ظلت النسبة عند 100 بالمائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026، وفق المعطيات التي يتناولها النقاش الأوروبي.
وهنا بدأت الأسئلة تتجاوز إسبانيا لتصل مباشرة إلى لشبونة.
لماذا تخشى البرتغال؟
المشكلة بالنسبة إلى المنتج البرتغالي لا تكمن فقط في وجود زيت تونسي منافس، وإنما في توقيت دخوله إلى السوق.
فالمنتجون البرتغاليون يستعدون لموسم جديد، في حين لا تزال كميات من إنتاج الموسم السابق غير مباعة.
ومع تراكم المخزونات، ترتفع تكاليف التخزين وتتراجع السيولة المتاحة للمزارعين والتعاونيات ومعاصر الزيت.
ومن هنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر وضوحاً:
إذا دخل زيت تونسي بأسعار تنافسية إلى السوق الأوروبية في الوقت الذي يحاول فيه المنتج الأوروبي بيع مخزونه، فهل يؤدي ذلك في النهاية إلى تقليص الطلب على زيت الزيتون الأوروبي؟
وهذه هي النقطة التي تجعل القضية تتجاوز المنافسة التجارية العادية.
إسبانيا تفتح المعركة
كانت سلطات إقليم الأندلس قد طالبت الحكومة الإسبانية بالتدخل لدى المفوضية الأوروبية من أجل مراجعة نظام التصنيع النشط المطبق على زيت الزيتون، معتبرة أن هناك حاجة إلى توضيح العمليات التي تخضع لها الواردات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بزيت الزيتون البكر الممتاز.
كما أثارت منظمات زراعية إسبانية تساؤلات حول مصير بعض كميات الزيت التونسي المستوردة، مستخدمة تعبير «الزيت التونسي الشبح».
لكن هذه النقطة تحتاج إلى توضيح مهم: الحديث عن الخلط أو إعادة الوسم أو إعادة التصدير أو التحايل يمثل مزاعم وتساؤلات صادرة عن جهات مهنية إسبانية، وليس دليلاً مثبتاً على وجود مخالفات أو عمليات غش مرتبطة بالصادرات التونسية.
ولذلك فإن المعركة المقبلة ستكون، قبل كل شيء، معركة أرقام وتتبع وشفافية.
56 ألفاً و700 طن.. لكن هذه ليست كل القصة
وتونس تستفيد من حصة تفضيلية داخل الاتحاد الأوروبي تبلغ 56 ألفاً و700 طن سنوياً من زيت الزيتون المعفى من الرسوم الجمركية.
لكن هذه الحصة مختلفة قانونياً عن نظام التصنيع النشط.
فالتصنيع النشط ليس «حصة تونسية ثانية»، وإنما آلية جمركية أوروبية عامة يمكن استخدامها في قطاعات مختلفة وفق شروطها.
ولهذا فإن السؤال الأوروبي الجديد لا يتمثل في إلغاء حق تونس في تصدير زيت الزيتون، وإنما في معرفة ما إذا كان استخدام نظام التصنيع النشط في هذا القطاع يتوافق فعلاً مع الهدف الذي أنشئ من أجله.
بروكسل أمام معادلة صعبة
المفوضية الأوروبية تجد نفسها أمام معادلة دقيقة.
فهي من جهة تريد أن تحافظ على تنافسية الصناعات الأوروبية وأن تتيح للشركات الحصول على المواد الأولية بأسعار مناسبة.
لكنها من جهة أخرى مطالبة بالنظر إلى وضع المنتجين الأوروبيين الذين يجدون أنفسهم أمام صعوبة في بيع محصولهم.
وهنا يمكن أن تتحول قضية زيت الزيتون التونسي إلى اختبار حقيقي للسياسة التجارية الأوروبية.
فإذا أبقت بروكسل القواعد الحالية، قد تتصاعد اعتراضات إسبانيا والبرتغال وربما دول أوروبية أخرى.
أما إذا قررت مراجعة شروط التصنيع النشط بالنسبة إلى زيت الزيتون، فقد تجد تونس نفسها أمام تغييرات محتملة في إحدى أهم أسواق صادراتها.
تونس ليست المتهم في هذه المعركة
ومن المهم الفصل بين أمرين.
الأول هو حق تونس في إنتاج زيت الزيتون وتصديره إلى الأسواق الأوروبية وفق الاتفاقات والقواعد المعمول بها.
والثاني هو كيفية استخدام الآليات الجمركية الأوروبية من قبل المستوردين والمصنعين داخل الاتحاد الأوروبي.
فالمعركة الحالية، في جوهرها، ليست معركة ضد زيت الزيتون التونسي بقدر ما هي نقاش داخل أوروبا حول قواعد السوق الأوروبية نفسها.
والسؤال الذي بدأ يفرض نفسه في بروكسل ومدريد ولشبونة هو:
هل يمكن لنظام صُمم لتعزيز تنافسية الصناعة الأوروبية أن يؤدي، في ظروف معينة، إلى إضعاف الطلب على الإنتاج الزراعي الأوروبي؟
إذا اتسع هذا النقاش خلال الأشهر المقبلة، فقد تكون معركة زيت الزيتون التونسي داخل الاتحاد الأوروبي قد بدأت فعلاً، لكن المعركة هذه المرة لن تكون حول جودة الزيت التونسي أو حق تونس في تصديره، وإنما حول القواعد التي تحدد كيف يدخل هذا الزيت إلى السوق الأوروبية وماذا يحدث له بعد ذلك.
