في تونس، يكفي أن يطرح مواطن سؤالًا بسيطًا على مواقع التواصل الاجتماعي حول إمكانية الحصول على قرض سكني، حتى يتحول النقاش إلى مساحة تعكس حجم القلق الاجتماعي والاقتصادي والديني الذي تعيشه فئات واسعة من التونسيين.

فقد أثار منشور لأب تونسي، أكد أنه يتقاضى راتبًا لا يتجاوز 1500 دينار، جدلًا واسعًا بعد أن تساءل إن كان عليه التوجه نحو قرض سكني لشراء منزل يؤويه مع عائلته، أو مواصلة العيش في الكراء رغم ارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة.
وسرعان ما انقسمت التعليقات بين من اعتبر القرض “الحل الوحيد” للهروب من أعباء الكراء، ومن حذر من مخاطر الالتزامات البنكية طويلة الأمد، سواء من الناحية المادية أو الدينية.
عدد من المتفاعلين رأوا أن دفع معلوم الكراء لسنوات طويلة يعد “خسارة دون مقابل”، معتبرين أن امتلاك منزل، حتى عبر قرض، يبقى استثمارًا لمستقبل العائلة والأبناء، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار العقارات والإيجارات.
في المقابل، طغى البعد الديني على جانب كبير من النقاش، حيث اعتبر معلقون أن القروض البنكية التقليدية القائمة على الفائدة تدخل في إطار “الربا” المحرّم شرعًا، داعين صاحب المنشور إلى تجنب هذا الخيار مهما كانت الظروف. وذهب البعض إلى نشر نصوص دينية وتحذيرات من الانخراط في قروض قد تتحول، وفق تعبيرهم، إلى “عبء دنيوي وديني” في آن واحد.
في المقابل، رأى آخرون أن الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب البدائل الواقعية تجعل الكثير من العائلات مضطرة للبحث عن حلول تمويل للسكن، معتبرين أن الأزمة السكنية أصبحت من أكبر الضغوط التي تواجه الطبقة الوسطى في تونس.
كما شارك تونسيون خاضوا تجربة القروض السكنية شهاداتهم، حيث تحدث بعضهم عن صعوبات في سداد الأقساط وارتفاع الكلفة النهائية للمسكن مقارنة بالسعر الأصلي، فيما أشار آخرون إلى مشاكل مرتبطة بالبناء أو السكن الاجتماعي.
النقاش لم يتوقف عند حدود القرض والكراء فقط، بل امتد ليطرح تساؤلات أعمق حول تراجع القدرة الشرائية وصعوبة الادخار، في وقت يرى فيه كثير من الشباب أن امتلاك منزل أصبح حلمًا بعيد المنال، بل إن بعض المعلقين اعتبروا الهجرة “الخيار الوحيد” لتحقيق الاستقرار وشراء منزل.
وفي خضم التفاعل، دعا عدد من المعلقين إلى البحث عن صيغ تمويل بديلة أو مدعومة، على غرار بعض البرامج الموجهة للفئات محدودة الدخل، أو ما يعرف بمنتجات التمويل التشاركي التي تحاول تفادي الفوائد البنكية التقليدية.

ويعكس هذا الجدل المتواصل على مواقع التواصل واقعًا اجتماعيًا معقدًا تعيشه شريحة واسعة من التونسيين، بين ضغوط المعيشة وارتفاع تكاليف السكن من جهة، والهواجس الدينية المرتبطة بالقروض البنكية من جهة أخرى، ما جعل حلم امتلاك منزل يتحول بالنسبة للكثيرين إلى معركة يومية بين الضرورة والإمكانات والقناعات.



