عاد مشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة إلى واجهة الرهانات الاقتصادية الكبرى في تونس، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تحويل الموقع إلى قطب لوجستي وصناعي قادر على استقطاب حركة التجارة بين أوروبا وشمال إفريقيا والمتوسط.
ووفق تقرير نشره اليوم 15 سبتمبر 2026 موقع «سترومنتي بوليتيكي» الإيطالي للصحفية فانيسا توماسيني، فإن المشروع لم يعد يُطرح باعتباره مجرد منشأة مينائية جديدة، بل باعتباره محاولة لإعادة رسم خريطة النقل البحري واللوجستي في تونس، وربط الميناء بشبكات النقل والمناطق الصناعية.
شركات دولية تراقب المشروع
وأشار التقرير إلى أن عدداً من المجموعات الدولية أبدت خلال السنوات الماضية اهتماماً بالمشروع، من بينها المجموعة الصينية هندسة الموانئ الصينية، المعروفة دولياً باسم «تشاينا هاربور للهندسة»، إلى جانب مجموعتي موانئ دبي العالمية وإم إس سي المتخصصتين في تشغيل وإدارة محطات الحاويات والنقل البحري.
ويعكس اهتمام هذه المجموعات، وفق التقرير، الأهمية التي يمكن أن يكتسبها ميناء النفيضة في حال دخوله مرحلة الإنجاز والاستغلال، بالنظر إلى موقعه وقدرته النظرية الكبيرة على معالجة الحاويات والبضائع.
ولا يتعلق الأمر، وفق المصدر نفسه، بمن سيشارك في بناء الأرصفة والمنشآت فقط، وإنما أيضاً بمن يمكن أن يتولى مستقبلاً تشغيل المحطات وإدارة جزء من حركة التجارة عبر الميناء.
مشروع استراتيجي للدولة
ويأتي هذا الاهتمام الدولي في أعقاب إعادة دفع المشروع مؤسساتياً، إذ أكد وزارتا النقل والبيئة، وفق التقرير الإيطالي، خلال شهر فبراير الماضي تصنيف ميناء النفيضة مشروعاً عمومياً استراتيجياً، بما يتيح تسريع الإجراءات وتحيين الدراسات الفنية والاقتصادية والبيئية اللازمة.
ويمتد المشروع على مساحة تقارب ألف هكتار للمنطقة المينائية، بعمق يصل إلى 17 متراً، إضافة إلى منطقة اقتصادية ولوجستية تبلغ مساحتها نحو ألفي هكتار.
وتصل الطاقة النظرية للمشروع عند استكماله، بحسب المعطيات التي أوردها «سترومنتي بوليتيكي»، إلى نحو 4.8 ملايين حاوية سنوياً، إلى جانب حوالي 4 ملايين طن من البضائع السائبة.
وهذه الأرقام تجعل المشروع مختلفاً جذرياً عن مجرد توسعة لميناء قائم، إذ يفترض أن يتحول إلى منظومة متكاملة تجمع بين استقبال السفن ومناولة الحاويات وتخزين البضائع والخدمات اللوجستية والأنشطة الصناعية.
52 ألف موطن شغل
ونقل التقرير عن وزارة النقل، في ردها على سؤال برلماني للنائب حليم بوسمة، أن المشروع يمكن أن يوفر حوالي 52 ألف موطن شغل مباشر وغير مباشر.
كما أشار إلى إحراز تقدم في تسوية الوضعية العقارية والإجراءات المتعلقة بالانتزاع للمصلحة العامة، وهي ملفات كانت من بين الأسباب التي ساهمت لسنوات في تعطيل تقدم المشروع.
النفيضة.. ميناء مرتبط بالجو والسكك الحديدية
ويستمد المشروع جزءاً كبيراً من أهميته من موقعه الجغرافي.
فالميناء سيكون قريباً من مطار النفيضة الحمامات الدولي، كما يفترض أن يرتبط مستقبلاً بشبكة السكك الحديدية السريعة بين الشمال والجنوب، بما يسمح بإنشاء منظومة نقل متكاملة تجمع البحر والسكك الحديدية والطرق والنقل الجوي.
ووفق التقديرات التي أوردها التقرير، يمكن لهذه المنظومة أن تساهم في تقليص آجال نقل البضائع بما يصل إلى عشرة أيام وخفض الكلفة اللوجستية بحوالي 15 بالمائة.
لكن هذه الميزة لن تتحقق بمجرد بناء الميناء، إذ يتوقف نجاحه على استكمال شبكات الطرق والسكك الحديدية وتطوير الإجراءات الديوانية واعتماد أنظمة رقمية قادرة على تسريع حركة البضائع.
تنفيذ على مراحل
وبحسب «سترومنتي بوليتيكي»، تتجه المقاربة الجديدة للمشروع إلى تنفيذه على مراحل، بما يسمح بدخول أجزاء منه حيز الاستغلال قبل استكمال كامل المنشأة.
وتتضمن المرحلة الأولى حوالي 1200 متر من الأرصفة، على أن تضيف المرحلة الثانية نحو 800 متر أخرى، بما يجعل طول الأرصفة في المرحلة التشغيلية الأولى قرابة كيلومترين.
وتستهدف السلطات، وفق التقرير، الوصول إلى الاستغلال الكامل للمشروع في حدود سنة 2030.
هل يصبح النفيضة منافساً لموانئ المتوسط؟
الرهان الحقيقي بالنسبة إلى تونس لا يتعلق فقط باستقبال المزيد من السفن، وإنما بقدرة ميناء النفيضة على جذب جزء من حركة التجارة التي تمر حالياً عبر موانئ متوسطية كبرى.
ويشير التقرير الإيطالي إلى المنافسة المتزايدة من جانب موانئ طنجة المتوسط في المغرب والموانئ الإسبانية والإيطالية، إضافة إلى موانئ شرق المتوسط، التي استثمرت خلال السنوات الماضية في توسيع قدراتها واستقطاب شركات دولية لإدارة المحطات والخدمات اللوجستية.
ومن هذه الزاوية، يمكن لميناء النفيضة أن يمنح تونس فرصة لتعزيز موقعها على خطوط التجارة المتوسطية، شرط أن ينجح المشروع في بناء منظومة متكاملة خلف الميناء، تضم مناطق صناعية ولوجستية وشبكات نقل فعالة.
السؤال الأصعب: من سيمول ويدير الميناء؟
تبقى مسألة التمويل وإدارة المنشآت من أكثر الملفات حساسية.
وتدرس السلطات التونسية، وفق التقرير، خيارات مختلفة لجذب رؤوس الأموال الخاصة والشركاء الدوليين، مع الحفاظ على السيطرة الاستراتيجية للدولة على البنية التحتية.
وهنا يبرز اهتمام شركات دولية مثل هندسة الموانئ الصينية وموانئ دبي العالمية وإم إس سي، باعتبار أن دور هذه المجموعات يمكن أن يتجاوز المشاركة في البناء إلى تشغيل المحطات وإدارة حركة الحاويات.
وبالتالي، فإن الرهان بالنسبة إلى تونس لا يتمثل فقط في إنجاز الميناء، وإنما في اختيار النموذج الذي سيحكم تمويله وتشغيله وشراكات الدولة مع المستثمرين والمشغلين الدوليين.
ميناء النفيضة.. بين الحلم والاختبار
بعد سنوات من التأخير، أصبح مشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة أمام اختبار حقيقي.
فالموقع الجغرافي متوفر، والمساحات اللازمة للميناء والمنطقة الاقتصادية محددة، كما أن اهتمام شركات دولية بالمشروع يعكس، وفق التقرير الإيطالي، وجود قيمة تجارية محتملة كبيرة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يتطلب حسم الملفات العقارية والتمويلية، وتسريع الدراسات، وإنجاز شبكة النقل المرتبطة بالميناء، واستقطاب الصناعات التي يمكن أن تجعل من النفيضة مركزاً لإنتاج وتخزين وتصدير البضائع، لا مجرد نقطة لعبور السفن.
وإذا نجحت تونس في تنفيذ هذه المنظومة، فإن ميناء النفيضة قد يتحول خلال السنوات المقبلة من مشروع طال انتظاره إلى أحد أهم أوراق تونس في المنافسة على حركة التجارة المتوسطية.
