لم تنتظر المالية العمومية نهاية السنة لتكشف حجم اعتمادها المتزايد على البنك المركزي. فبحسب الميزان العام لحسابات البنك المركزي التونسي إلى 31 أوت 2026، والمنشور في الرائد الرسمي، ارتفع رصيد التسهيلات الممنوحة للدولة إلى 18.650 مليار دينار، فيما تجاوزت الأوراق والقطع النقدية المتداولة في الاقتصاد 30.2 مليار دينار.
وتكشف الوثيقة الرسمية أن إجمالي ميزانية البنك المركزي بلغ في نهاية أوت 61.264 مليار دينار، مقابل 56.487 مليار دينار في نهاية 2025، أي بزيادة تقارب 4.78 مليارات دينار.
5.1 مليارات دينار إضافية للدولة
الرقم الأكثر إثارة للانتباه يتعلق بالتسهيلات الممنوحة للدولة.
فقد ارتفع الرصيد من حوالي 13.55 مليار دينار في نهاية ديسمبر 2025 إلى 18.65 مليار دينار في نهاية أوت 2026، أي بزيادة تقارب 5.1 مليارات دينار في ثمانية أشهر، وبنسبة تناهز 38 بالمائة.
وهذا التطور يأتي في سنة تواجه فيها المالية العمومية حاجيات تمويل مرتفعة، بينما تراهن الحكومة على تعبئة موارد داخلية وخارجية لتغطية نفقات الميزانية وخدمة الدين.
والأهم أن الارتفاع لا يتعلق برقم نظري أو بسقف تمويلي مستقبلي، بل برصيد التسهيلات الظاهر فعلياً في ميزان البنك المركزي في نهاية أوت.
النقد المتداول يتجاوز عتبة 30 مليار دينار
في الجانب الآخر من الميزان، تكشف الوثيقة أن قيمة الأوراق والقطع النقدية المتداولة بلغت 30.217 مليار دينار.
وهذا يعني أن النقد الموجود في التداول تجاوز لأول مرة في هذه المقارنة عتبة الثلاثين مليار دينار، بزيادة تقارب 3.34 مليارات دينار مقارنة بمستوى نهاية 2025.
ويعكس هذا الرقم استمرار الوزن الكبير للنقد في الاقتصاد التونسي، في وقت تحاول فيه السلطات المالية والنقدية دفع الاقتصاد نحو مزيد من التعاملات الإلكترونية وتقليص الاعتماد على السيولة النقدية.
لكن ارتفاع النقد المتداول لا يعني، بمفرده، أن كل هذه الأموال دخلت الاقتصاد نتيجة تمويل الدولة من البنك المركزي، ولا يسمح الميزان وحده بإثبات علاقة سببية مباشرة بين المؤشرين.
موجودات العملة الأجنبية عند 25.68 مليار دينار
وفي المقابل، أظهرت بيانات البنك المركزي أن موجودات العملة الأجنبية بلغت في نهاية أوت نحو 25.680 مليار دينار.
كما بلغت قيمة الذهب الموجود ضمن أصول البنك المركزي حوالي 1.776 مليار دينار، فيما سجلت حقوق السحب الخاصة لدى صندوق النقد الدولي نحو 75.9 مليون دينار، وبلغ المركز الاحتياطي لدى الصندوق حوالي 482.2 مليون دينار.
وتشير هذه الأرقام إلى أن الجزء الأكبر من أصول البنك المركزي لا يزال مرتبطاً بالعملات الأجنبية والذهب والأصول المالية، بالتوازي مع الارتفاع اللافت في بند التسهيلات الممنوحة للدولة.
تراجع تمويل البنوك
وفي تطور يسير في الاتجاه المعاكس، تراجعت التسهيلات المقدمة للبنوك في إطار عمليات السياسة النقدية إلى نحو 6.958 مليارات دينار في نهاية أوت، مقابل مستوى أعلى في نهاية 2025.
كما بلغت سندات الدولة المشتراة في إطار عمليات السوق المفتوحة حوالي 3.846 مليارات دينار.
وتكشف هذه الأرقام عن تحرك داخل ميزانية البنك المركزي بين مختلف بنود الأصول، في وقت أصبح فيه تمويل الدولة أحد البنود الأكثر بروزاً.
الحكومة لديها أكثر من ملياري دينار في حسابها المركزي
وفي جانب الخصوم، تظهر بيانات البنك المركزي أن رصيد الحساب الجاري للحكومة بلغ حوالي 2.190 مليار دينار، إلى جانب نحو 2.411 مليار دينار ضمن الحسابات الخاصة للحكومة.
كما بلغت ودائع الحكومة نحو 715.7 مليون دينار.
ولا يمكن قراءة هذه الأرصدة باعتبارها أموالاً متاحة للدولة خارج سياق إدارة الخزينة، إذ تتغير هذه الحسابات باستمرار تبعاً لمواعيد استخلاص الموارد وتسديد النفقات وخدمة الدين.
ماذا تقول هذه الأرقام عن الاقتصاد التونسي؟
الصورة التي يرسمها ميزان البنك المركزي في نهاية أوت هي صورة اقتصاد يحتاج إلى تمويل نقدي كبير في الوقت الذي يواصل فيه النقد المتداول الارتفاع.
فمن جهة، ارتفع رصيد التسهيلات الممنوحة للدولة بشكل واضح خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة.
ومن جهة ثانية، تجاوز النقد المتداول 30 مليار دينار.
وفي المقابل، بقيت موجودات العملة الأجنبية في حدود 25.68 مليار دينار، بينما سجلت بعض بنود تمويل البنوك تراجعاً.
ولا تعني هذه المعطيات وحدها أن تونس تتجه بالضرورة إلى أزمة نقدية أو تضخم جديد، لكنها تكشف ضغطاً متواصلاً على العلاقة بين المالية العمومية والسياسة النقدية، وهي علاقة ستكون تحت المجهر خلال الأشهر الأخيرة من سنة 2026.
ويؤكد البنك المركزي في بياناته الإحصائية الرسمية أن حساباته التحليلية تتيح متابعة تطور عمليات البنك المركزي والقطاع المصرفي والسيولة والعمليات المرتبطة بالمالية العمومية.
الرقم الذي يستحق المتابعة
إذا كان هناك رقم واحد ينبغي مراقبته خلال الأشهر المقبلة، فهو 18.650 مليار دينار.
فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحجم حاجيات الدولة من التمويل، وإنما بسرعة ارتفاع رصيد التسهيلات الممنوحة لها.
وبينما تكشف أرقام أوت عن 5.1 مليارات دينار إضافية في ثمانية أشهر، يبقى السؤال الاقتصادي الأهم: هل سيواصل هذا الرصيد ارتفاعه قبل نهاية السنة، أم ستتمكن الخزينة من تخفيف اعتمادها على البنك المركزي عبر بقية أدوات التمويل؟
وهذا السؤال سيكون أكثر إلحاحاً مع اقتراب إعداد ميزانية 2027، خصوصاً في ظل ارتفاع كلفة خدمة الدين وتواصل حاجيات الدولة إلى موارد تمويلية كبيرة.
المصدر: الميزان العام لحسابات البنك المركزي التونسي إلى 31 أوت 2026، المنشور في الرائد الرسمي للجمهورية التونسية.
