في الوقت الذي تعاني فيه القارة الأفريقية من نزاعات مسلحة ممتدة وأزمات وجودية ترتبط بالأمن المائي والحدودي، تثير صفقات التسليح الأخيرة بين موسكو وأديس أبابا—والتي شملت تزويد إثيوبيا بمقاتلات « سو-35 » المتطورة ومنظومات الدفاع الجوي « إس-400″—تساؤلات حادة حول الدور الذي تلعبه القوى العظمى في تأجيج الاستقطاب الإقليمي وتغذية بيئة الحروب في القارة.
السلاح كأداة لاختراق النفوذ
تبني روسيا استراتيجيتها في أفريقيا على تقديم نفسها كـ »شريك أمني بديل » لا يضع شروطاً سياسية أو حقوقية على مبيعات السلاح، وهو ما تجد فيه الأنظمة الإقليمية المأزومة ملاذاً لتعزيز قدراتها العسكرية.
لكن تدفق هذا النوع من السلاح الثقيل والنوعي إلى منطقة ملتهبة كالقرن الأفريقي، وفي توقيت تشهد فيه العلاقات الإثيوبية مع جيرانها (مثل مصر و السودان والصومال) توترات حادة تشبه حالة الحرب، يُنظر إليه من قِبل الكثير من المراقبين كعامل تفجير مباشر يخل بموازين القوى ويشجع على تبني سياسات حافة الهاوية بدلاً من الحوار.
تناقض الخطاب الدبلوماسي مع الواقع التجاري
يبرز التناقض الصارخ في السياسة الروسية عندما تطرح موسكو نفسها في المحافل الدولية كراعية للسلام والتنمية في أفريقيا عبر القمم الروسية الأفريقية، بينما تمضي آلتها العسكرية في إبرام صفقات مليارية تزيد من عسكرة النزاعات. هذا النهج البراغماتي يغلب المصلحة الاقتصادية ومبيعات مصانع السلاح الروسية، إلى جانب الرغبة في كسر العزلة الدولية المفروضة عليها، على حساب الاستقرار المستدام للشعوب الأفريقية التي تدفع فاتورة التسلح من مقدراتها التنموية الأساسية.
عسكرة النزاعات وتهديد الأمن الإقليمي
إن تزويد بلد يمر بأزمات داخلية وخارجية معقدة مثل إثيوبيا بأسلحة ردع استراتيجية، لا يساهم في بناء السلام بقدر ما يسهم في جلب المزيد من التصعيد. فهذه الخطوات تزيد من مخاوف دول المصب ودول الجوار،
وتدفع بالمنطقة نحو سباق تسلح إقليمي محموم، حيث تضطر الأطراف الأخرى إلى تحديث ترساناتها لمواجهة التهديدات المحتملة، مما يحول الموارد الضئيلة للقارة من مجالات الصحة والتعليم والتنمية إلى صفقات تسليح لا تنتهي، لتبقى أفريقيا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية الدولية.
