تحولت قضايا التحيل العقاري في تونس من مجرد حيل ينفذها سماسرة معزولون إلى قصص تتجاوز أغرب روايات السينما السريالية.
ولم يعد غريباً في هذا الملف الملغوم أن يستيقظ المواطن ليكتشف أن الأرض التي يملكها، أو حتى المقر السيادي والعدلي الذي يقصده لقضاء شؤونه، قد بيع على الورق لشخص آخر تحت بريق الحجج الرسمية المفتعلة.
في مثل هذه الأيام من خريف عام 2018، استيقظ أهالي القيروان على دويّ فضيحة عقارية لم تكن تخطر على بال أكثر المخرجين السينمائيين تزمتاً في حبك الروايات البوليسية.
إنها الحادثة التي تجاوز فيها خيال المتحيلين كل الخطوط الحمراء, حين بيعت الأرض المقرّ لسيادة القانون—محكمة الناحية والمحكمة العقارية بحي المنار—على الورق لمواطن تائه، سُلبت أمواله تحت بريق الحجج الرسمية.
القصة، كما عهدناها في ملفات التحيل الكبرى التي نبشنا فيها طويلاً، لم تكن مجرد زلة فردية أو نزوة سمسار عابر، بل نحن إزاء تنظيم عصابي محكم، شبكة متطورة متعددة الأذرع والاختصاصات، يتشارك فيها سماسرة مع عدول إشهاد، وتحت غطاء وتحصين من رجال قانون خانوا الأمانة، فاستغلوا ثغرات المنظومة العقارية ليصطادوا ضحاياهم من ميسوري الحال ممن يجهلون الإجراءات الدقيقة.
سيناريو الإيقاع بالضحية كان يدار بدقة مسرحية؛ يُقاد الزبون إلى مساحة بيضاء قرب مفترق الزربية، ويُحاط بهالة من الطمأنينة المزيفة عبر بسط ترسانة من الوثائق: حجج ملكية مسجلة رسمياً في السجل العقاري (دفتر خانة)، ورسوم بيانية وتصاميم هندسية موهمين إياه بأنها أرض موروثة عن الأجداد. المفارقة الصادمة هنا أن زعيم الشبكة كان يملك بالفعل وثائق صحيحة تشير إلى مساحة أرض مسجلة باسمه، لكنها أرض وهمية لا وجود لها كأرض فضاء على أرض الواقع، بل تطابقت إحداثياتها جغرافياً مع العقار الحكومي المشيد عليه مقر المحكمتين! مستغلاً هذا التداخل، وعبر مناورة تعمد فيها قلب الأوراق لإخفاء معالم الحيلة، أتم الصفقة في غفلة من الجميع وقبض العربون، تاركاً الضحية وجهاً لوجه مع مؤسسات الدولة السيادية.
ولم تكن شهية هؤلاء لتتوقف عند أسوار المحاكم، بل امتدت يد العبث والتحيل العقاري لتطال أملاكاً بلدية عامة في الجهة باشر فيها مركز الأمن بالحجام أبحاثاً مكثفة ضد عدة أشخاص. الطامة الكبرى برزت في اعترافات مسؤولين من المجلس البلدي حينها، أقروا بمرارة أن البلدية لا تملك قائمة واضحة ومحدثة لممتلكاتها، وأن الكثير من العقارات العامة لم يتم تسجيلها أصلاً، ما جعلها صيداً سهلاً لعصابات منظمة اخترقت الإدارة وشاركت في الاستيلاء على الملك العام.
هذه القضية التي فجرتها الشكايات العدلية في أكتوبر 2018 وحركت النيابة العمومية بالقيروان، تظل بمثابة جرس إنذار دائم في تونس. إنها تذكرنا بأن المعركة مع الفساد والتحيل العقاري تتطلب ما هو أكثر من مجرد التثبت من الأوراق، بل تستدعي مراجعة شاملة لآليات الرقابة ومطابقة الواقع الجغرافي بالدفاتر الرسمية، حتى لا يجد التونسي نفسه يوماً يشتري مؤسسة سيادية أو جزءاً من أملاك دولته من بائعي الوهم.
ولأن التاريخ يعيد نفسه في ثوب أكثر وقاحة، شهد شهر أكتوبر الجاري إسدال الستار عن واحدة من أحدث القضايا التي دارت بين العاصمة والحمامات؛ حيث أطاحت الدائرة الجنائية بشبكة قادتها امرأتان تخصصت في اصطياد العقارات الشاسعة والمجمدة، وقاموا بمسح وتزوير عقود ملكية كاملة للتفويت في أراضي الغير، لتنتهي مغامرتهم بأحكام سجنية ثقيلة تراوحت بين 16 و26 سنة سجناً. وهي نفس الجرأة التي جعلت شبكة أخرى في أفريل الماضي تستولي على أراضٍ باهظة الثمن تابعة لأربع مؤسسات عمومية كبرى قبل أن تنال زعيمتها حكماً بـ 30 عاماً سجناً.
الغرابة والجرأة في هذا الملف بلغت مداها حين امتدت أيدي شبكات التحيل لتطال أملاك الموتى الذين غيبهم الموت وغاب ورثتهم عن التحيين؛ ففي منطقة رقادة بالقيروان، فككت الأجهزة الأمنية شبكة تورط فيها موظفون بلديون استغلوا نفوذهم الإداري لتسهيل تدليس عقود بيع لقطع أراضٍ فلاحية شاسعة تعود لمالك متوفى، مستغلين عدم دراية الورثة بما يدور خلف المكاتب المغلقة.
ولم تسلم حتى الضواحي الراقية للعاصمة من هذه الأساليب؛ إذ كشفت التحقيقات في جهة سكرة عن قضية تلاعب فلكية قادتها شبكة محترفة افتعلت صكوك ملكية لقطع أراضٍ باهظة الثمن وعرضتها للبيع عبر واجهة شركات وهمية، لتسفر العملية عن الاستيلاء على مبالغ خيالية نقدية تجاوزت 10 ملايين دينار قبل الإطاحة بهم وتجميد حساباتهم البنكية. وفي عمق الوطن القبلي بجهة الهوارية، أحدثت قضية أخرى زلزالاً في الوسط العقاري بعد تورط شبكة ضمت لصوص عقارات ومحامين اعتمدوا على شهادات حوز مفتعلة ومزورة بالكامل للاستحواذ على أراضٍ ساحلية وغابية شاسعة تابعة للملك العمومي والخواص والتفويت فيها بدون وجه حق.
أما في جويلية 2026، فقد لبس التحيل العقاري جلباب الحداثة والخدمات المهنية المزيّفة بالعاصمة، حين أودع قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بتونس امرأة في العقد الرابع من عمرها السجن. هذه المتهمة نسجت خيوط مكيدتها بادعاء امتلاك وكالة عقارية قانونية، مستغلة تلك الصفة الوهمية لإبرام عقود بيع وشراء لعقارات ووحدات سكنية لا وجود لها إلا في مخيلتها. هذه المصيدة أوقعت نحو 12 ضحية وخلفت خسائر مالية جسيمة ناهزت 700 ألف دينار، قبل أن تنجح فرقة الشرطة العدلية بباب بحر في تحديد مكانها وإيقافها إثر عملية تخفٍ ومحاولة فرار فاشلة.
أمام هذا الأخطبوط المتشعب الذي لم يسلم منه ملك الخواص، ولا أملاك الموتى، ولا ميسورو الحال، بل وحتى هيبة الدولة، دخل حيز التنفيذ مع مطلع شهر نوفمبر الجاري قرار بدء المسح العقاري الإجباري الشامل لإحصاء العقارات غير المسجلة في 6 ولايات كبرى، ليكون هذا الإجراء القانوني بمثابة السلاح الأخير لقطع الطريق نهائياً أمام مافيا التزوير، وسد الثغرات الإدارية التي يتسلل منها محترفو التدليس.
