تتجه إيطاليا إلى تشديد تنفيذ قرارات طرد وترحيل الأجانب الموجودين على أراضيها، في إطار سياسة أمنية تبدو أكثر حزماً في التعامل مع الهجرة غير النظامية والأجانب الذين تعتبرهم السلطات مصدر خطر على الأمن والنظام العام.
وتكشف سلسلة من العمليات الأمنية التي شهدتها مدن إيطالية خلال الأيام الأخيرة أن الأمر لا يتعلق بحالات معزولة، بل بمسار أوسع يجمع بين تكثيف المراقبة، تحديد الأجانب الموجودين بصورة غير قانونية، إصدار قرارات الطرد، ثم وضع بعضهم في مراكز الإعادة تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية.
ومن بين أحدث الحالات، ترحيل مواطن تونسي يبلغ 32 عاماً من مدينة ليفورنو، بعد أن صنفته الشرطة الإيطالية ضمن الأشخاص ذوي «الخطورة الاجتماعية المرتفعة».
وبحسب المعطيات التي أوردتها السلطات الإيطالية، فإن التونسي كان موجوداً في إيطاليا منذ سنوات، وارتبط اسمه بعدد من الملفات القضائية، خصوصاً في قضايا المخدرات وأعمال العنف.
وبعد استكمال الإجراءات القانونية، تم نقله من ليفورنو إلى مطار روما فيوميتشينو تحت الحراسة، ومن هناك صعد إلى طائرة متجهة إلى تونس.
حملة «بارما الآمنة».. مئات الأجانب تحت المراقبة
وتأتي هذه العملية بالتزامن مع تكثيف السلطات الإيطالية عمليات المراقبة في عدد من المدن.
ففي إطار عملية أطلقت عليها الشرطة اسم «بارما الآمنة» ، نفذت شرطة الدولة خلال الأسبوع الماضي عمليات أمنية استثنائية لمكافحة الهجرة غير النظامية وترويج المخدرات، بمشاركة وحدات مكافحة الجريمة في ريجيو إميليا، ووحدة الكلاب البوليسية في بولونيا والشرطة المحلية.
واستهدفت العمليات، خصوصاً، المناطق التي تعتبرها السلطات الأكثر تعرضاً لظواهر التدهور الحضري والجريمة.
وخلال عملية تفتيش صباح الأربعاء 5 أوت في حديقة دوكالي بمدينة بارما، عثرت وحدة الكلاب البوليسية على أكثر من 45 غراماً من الحشيش و1.5 غرام من الماريجوانا مخبأة داخل منطقة خضراء.
لكن العملية لم تتوقف عند المخدرات.
فقد تمكنت الشرطة من تحديد هوية عدد من الأجانب الموجودين بصورة غير قانونية في إيطاليا، بينهم مواطن مغربي يبلغ 21 عاماً ولا يحمل سوابق قضائية، ومواطن غيني يبلغ 26 عاماً لديه سوابق شرطية عديدة، معظمها في قضايا تتعلق بالمخدرات.
وفي مواصلة عمليات المراقبة وسط مدينة بارما، عثرت السلطات أيضاً على مواطن تونسي يبلغ 20 عاماً، وتبين أنه من أصحاب السوابق القضائية وأنه موجود بدوره بصورة غير قانونية على الأراضي الإيطالية.
تونسي في العشرين يُودع مركز الإعادة
وبحسب الشرطة الإيطالية، تم اقتياد الأجانب الثلاثة إلى مقر الشرطة لإجراء عمليات التثبت من الهوية وأخذ البصمات واستكمال الإجراءات المتعلقة بوضعيتهم القانونية.
وبالنسبة إلى المواطن التونسي والمواطن الغيني، صدر قرار بالطرد من الأراضي الإيطالية، مع إيداعهما في مركز الإقامة من أجل الإعادة إلى الوطن في بالاتسو سان جيرفاسيو، تمهيداً لتنفيذ الترحيل.
أما المواطن المغربي، الذي لا يحمل سوابق، فقد صدر بحقه أمر بمغادرة الأراضي الإيطالية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه القضية تختلف عن عملية أخرى أعلنت عنها سلطات ليفورنو خلال الأيام الأخيرة، وتتعلق بتونسي يبلغ 57 عاماً تم ترحيله إلى تونس بعد العثور عليه في وضعية إقامة غير قانونية، مع وجود سوابق قضائية وشرطية في قضايا مختلفة. وقد تمت عملية ترحيله يوم 4 أوت، ونُشرت تفاصيلها في 5 و6 أوت.
وتكشف هذه الحالة عن عنصر مهم في السياسة الإيطالية الجديدة: وجود الشخص بصورة غير قانونية، إلى جانب السوابق أو تقييم السلطات لدرجة الخطورة، يمكن أن يؤدي إلى الانتقال سريعاً من المراقبة الأمنية إلى قرار الطرد ثم الإيداع في مركز الإعادة.
ألف شخص خضعوا للمراقبة خلال أسبوع
وتعطي أرقام عملية «بارما الآمنة» فكرة عن حجم هذه المقاربة الأمنية.
فخلال الفترة الممتدة بين 1 و7 أوت، قامت السلطات الإيطالية بتحديد هوية حوالي 1000 شخص، بينهم قرابة 300 مواطن أجنبي.
كما جرى تفتيش أكثر من 150 سيارة وخمس مؤسسات تجارية.
وأسفرت العمليات عن إحالة تسعة أشخاص إلى القضاء بسبب مخالفات وجرائم مختلفة، كان أكثر من نصفهم من الأجانب.
وشملت القضايا التي سجلتها الشرطة جرائم مثل إخفاء أو تصريف ممتلكات متحصلة من جريمة، ومقاومة موظف عمومي، والسرقة، والهجرة غير النظامية، إضافة إلى حيازة غير قانونية لأسلحة أو أدوات يمكن استخدامها للاعتداء.
من بارما إلى تورينو.. الترحيل يواجه أحياناً مقاومة
وتأتي هذه العمليات بعد وقائع أخرى تكشف الصعوبات التي تواجهها السلطات الإيطالية عند تنفيذ قرارات الإبعاد.
ففي إمبيريا، كان مواطن تونسي يبلغ 35 عاماً بصدد نقله إلى مركز الإعادة في تورينو، تنفيذاً لإجراء صادر عن السلطات، عندما وقعت حادثة أثناء عملية نقله.
وتدخل عناصر الكارابينييري للسيطرة على الوضع، وأصيب اثنان منهم بجروح خفيفة.
وفي اليوم التالي مثل التونسي أمام المحكمة، حيث تمت متابعته قضائياً، وانتهت القضية بحكم مع وقف التنفيذ.
كما شهدت الفترة نفسها قضية مواطن بيروفي يبلغ 46 عاماً، أوقف بعد دخوله مجدداً إلى إيطاليا دون ترخيص رغم صدور قرار سابق بطرده.
لماذا تكثف إيطاليا عمليات الطرد؟
تكشف هذه الوقائع أن روما تحاول الانتقال من إصدار قرارات الطرد إلى تنفيذها فعلياً.
فالمشكلة التي تواجهها السلطات الإيطالية منذ سنوات ليست فقط عدد المهاجرين الموجودين بصورة غير نظامية، وإنما أيضاً العدد الكبير من قرارات الطرد التي يصعب تنفيذها لأسباب قانونية أو إدارية أو لعدم توفر أماكن كافية في مراكز الإعادة أو صعوبة تحديد هوية الشخص وتأمين وثائق سفره.
ولهذا أصبحت مراكز الإعادة إلى الوطن جزءاً أساسياً من السياسة الإيطالية الجديدة.
فالشخص الذي يصدر بحقه قرار طرد ولا يمكن ترحيله فوراً قد يوضع في أحد هذه المراكز إلى حين استكمال الإجراءات اللازمة لإعادته إلى بلده.
تونس في قلب هذه السياسة
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس، التي تعد من أبرز البلدان المعنية بعمليات الإعادة من إيطاليا.
فالتونسيون يظهرون بشكل متكرر في عمليات الشرطة الإيطالية الخاصة بمكافحة الهجرة غير النظامية، كما أن التعاون بين تونس وإيطاليا في مجال إعادة المهاجرين يمثل أحد الملفات الأساسية في العلاقات بين البلدين.
واللافت في العمليات الأخيرة أن الترحيل لم يعد مرتبطاً فقط بالمهاجرين الذين يصلون حديثاً إلى إيطاليا عبر البحر.
فحالة التونسي البالغ 32 عاماً في ليفورنو، وحالة التونسي البالغ 20 عاماً في بارما، وحالة التونسي البالغ 35 عاماً في إمبيريا، تقدم ثلاث صور مختلفة للمسار نفسه: أجانب موجودون داخل إيطاليا، تتدخل الشرطة بشأن وضعيتهم القانونية أو الأمنية، ثم تبدأ إجراءات الإبعاد عندما تتوفر الشروط القانونية لذلك.
الرسالة الإيطالية: قرار الطرد يجب أن يُنفذ
وتشير هذه التطورات إلى أن إيطاليا تريد جعل قرارات الطرد أكثر فعالية، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين تعتبرهم السلطات خطراً على الأمن أو النظام العام، أو الذين يقيمون في البلاد بصورة غير قانونية.
وبين الحملات الأمنية الواسعة، وتكثيف عمليات تحديد الهوية، ومراكز الإعادة، والتنسيق بين الشرطة والسلطات القضائية، تبدو روما مصممة على تقليص الفارق بين عدد قرارات الطرد الصادرة وعدد عمليات الترحيل المنفذة فعلياً.
وبالنسبة إلى تونس، يعني ذلك أن عمليات إعادة التونسيين من إيطاليا قد تصبح أكثر حضوراً خلال الفترة المقبلة، ليس فقط في إطار مكافحة الهجرة السرية، وإنما أيضاً في إطار تنفيذ قرارات الطرد بحق تونسيين موجودين داخل الأراضي الإيطالية وتعتبر السلطات أنهم لا يملكون حق البقاء أو يشكلون، وفق تقييمها، خطراً على الأمن العام.



