أثار قرار جديد في دولة قطر يقضي بفتح باب الالتحاق بالخدمة الوطنية أمام فئات من غير القطريين اهتمامًا واسعًا داخل أوساط الجاليات العربية المقيمة هناك، ومن بينها الجالية التونسية التي تعد من أكبر الجاليات العربية المستقرة في الدولة الخليجية.
ويشمل القرار أبناء القطريات والمقيمين المولودين في قطر، إضافة إلى فئات أخرى من غير الملزمين أصلًا بأداء الخدمة الوطنية من المواطنين القطريين، كما يتيح للذكور والإناث فرصة الالتحاق بهذه الخدمة بشكل طوعي، مع حزمة من الامتيازات تشمل منحًا مالية شهرية قد تصل إلى سبعة آلاف ريال قطري،أي 5635 دينار تونسي وأولوية في فرص التجنيد والعمل، فضلًا عن إمكانية الترشح للحصول على الإقامة الدائمة بعد استكمال فترة الخدمة التي قد تمتد إلى خمس سنوات.
يُذكر أن قانون الخدمة الوطنية في قطر صدر عام 2018، وكان يقتصر سابقا على المواطنين القطريين الذكور بشكل إلزامي، بينما جاء هذا القرار ليفتح باب التطوع لفئات جديدة من المقيمين وأبناء القطريات.
غير أن هذا التطور أعاد إلى الواجهة تساؤلات قانونية مهمة بالنسبة للتونسيين المقيمين في قطر، خاصة أولئك الذين ولدوا هناك أو ينتمون إلى عائلات مستقرة منذ سنوات طويلة، حول مدى توافق الالتحاق بالخدمة الوطنية القطرية مع التشريعات التونسية.
ماذا يقول القانون التونسي؟
تتجه الأنظار في هذا الملف إلى الفصل 32 من مجلة الجنسية التونسية الذي ينص على أن المواطن التونسي يمكن أن يفقد جنسيته إذا تولى خدمة في جيش أجنبي أو في مصلحة عمومية تابعة لدولة أجنبية ورفض التخلي عنها رغم توجيه إنذار رسمي له من قبل الحكومة التونسية.
ويفهم من هذا النص أن المشرع التونسي كان ينظر بحذر إلى مسألة انخراط المواطنين التونسيين في مؤسسات عسكرية أو سيادية تابعة لدول أجنبية، باعتبار أن ذلك قد يثير إشكالات تتعلق بالولاء القانوني والسيادة الوطنية.
لكن تطبيق هذا الفصل اليوم يطرح إشكالًا قانونيًا جديدًا يتعلق بالتطورات الدستورية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
دستور 2022 يطرح معادلة جديدة
ففي المقابل ينص دستور الجمهورية التونسية الصادر سنة 2022 بشكل واضح على أنه لا يجوز سحب الجنسية التونسية من أي مواطن.
ويرى عدد من المختصين في القانون أن هذا المقتضى الدستوري يثير تساؤلات حول مدى قابلية تطبيق بعض الأحكام الواردة في مجلة الجنسية، باعتبار أن الدستور يحتل مرتبة أعلى في الهرم القانوني ويعلو على القوانين العادية.
ومن هذا المنطلق يبرز نقاش قانوني حول كيفية التوفيق بين نص تشريعي قديم يسمح بفقدان الجنسية في حالات معينة ونص دستوري أحدث يمنع سحبها بشكل مطلق.
هل تعتبر الخدمة الوطنية القطرية خدمة عسكرية أجنبية؟
السؤال الأبرز الذي يطرحه التونسيون المقيمون في قطر يتمثل في ما إذا كانت الخدمة الوطنية القطرية تدخل فعلًا ضمن مفهوم « الخدمة في جيش أجنبي » الوارد في القانون التونسي.
فالقانون التونسي لا يتضمن، وفق القراءة المتاحة، نصًا خاصًا يتناول حالة الالتحاق بالخدمة الوطنية في دولة أجنبية بالنسبة للمواطنين التونسيين المقيمين بالخارج، كما لا توجد إلى حد الآن توضيحات رسمية معلنة تحدد الوضع القانوني لهذه الحالات.
ويزداد الأمر تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بأشخاص ولدوا في قطر أو أمضوا معظم حياتهم فيها ويتمتعون بروابط اجتماعية ومهنية قوية داخل الدولة المضيفة، وهو ما يجعل القرار بالنسبة إليهم يتجاوز البعد العسكري ليشمل اعتبارات مهنية واجتماعية ومستقبلية.
جالية تونسية معنية مباشرة
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى وجود آلاف التونسيين المقيمين في قطر، بينهم كوادر وأساتذة وأطباء ومهندسون وعائلات مستقرة منذ عقود، فضلًا عن عدد من أبناء الجالية الذين ولدوا ونشؤوا داخل الدولة الخليجية.
وقد يجد بعض هؤلاء أنفسهم أمام فرصة جديدة توفر امتيازات مهنية واجتماعية مهمة، لكنهم في الوقت ذاته قد يترددون في الإقدام عليها بسبب الغموض القانوني المتعلق بوضعيتهم كمواطنين تونسيين.
ويرى متابعون أن الجدل القائم لا يمكن حسمه إلا من خلال توضيح رسمي صادر عن السلطات التونسية المختصة، سواء من وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج أو وزارة الدفاع الوطني أو الجهات القانونية المعنية.
فمثل هذا التوضيح من شأنه أن يحدد بدقة حقوق وواجبات المواطنين التونسيين المقيمين في قطر، ويجنبهم اتخاذ قرارات قد تكون لها انعكاسات قانونية مستقبلية على وضعهم الشخصي أو الإداري.
وفي انتظار صدور موقف رسمي، يبقى السؤال مطروحًا: هل يمكن للتونسي المقيم في قطر الالتحاق بالخدمة الوطنية القطرية دون أي تبعات قانونية في تونس، أم أن الأمر يستوجب إطارًا قانونيًا واضحًا يبدد حالة الغموض الحالية؟
سؤال يهم شريحة واسعة من أبناء الجالية التونسية، ويستحق إجابة رسمية لا تحتمل التأويل.
مع العلم وأن عدد التونسيين المقيمين في دولة قطر يقدر بنحو65 ألف مواطن تونسي . تشهد الجالية التونسية هناك نمواً متواصلاً في السنوات الأخيرة بفضل استقطاب الكفاءات واليد العاملة في مختلف القطاعات الحيوية.



