الرئيسيةأخبار تونسالتونسيون و الهجرة.. رفض متزايد لاستقبال الأجانب وثلثهم يفكرون في مغادرة البلاد

التونسيون و الهجرة.. رفض متزايد لاستقبال الأجانب وثلثهم يفكرون في مغادرة البلاد

كشفت دراسة حديثة لمؤسسة أفروبارومتر حول مواقف الأفارقة من الهجرة والتماسك الاجتماعي عن مفارقة لافتة في الموقف التونسي: فبينما يبدي جزء مهم من التونسيين تحفظاً واضحاً تجاه تزايد أعداد المهاجرين واللاجئين، فإن نسبة معتبرة منهم تفكر بدورها في مغادرة البلاد بحثاً عن فرص أفضل.

وأظهرت الدراسة، التي شملت عدداً من الدول الإفريقية، أن 65 بالمائة من التونسيين يرون أن المهاجرين المتواجدين في تونس يتركون تأثيراً سلبياً على الاقتصاد الوطني، في مقابل مواقف أكثر تسامحاً عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع المهاجرين على المستوى الاجتماعي والشخصي.

فقد أفاد 60 بالمائة من المستجوبين في تونس بأنهم يقبلون أو لا يمانعون في أن يكون العمال الأجانب أو المهاجرون جيراناً لهم، بينما بلغت النسبة 64 بالمائة بالنسبة إلى اللاجئين.

لكن الموقف يتغير بشكل واضح عندما تنتقل المسألة من العلاقة الشخصية إلى سياسة الدولة. إذ يؤيد 49 بالمائة من التونسيين تقليص عدد طالبي العمل الأجانب الذين يُسمح لهم بدخول البلاد، فيما يذهب 30 بالمائة إلى حد تأييد وقف دخولهم نهائياً.

أما بالنسبة إلى اللاجئين، فقد أظهرت الدراسة أن 51 بالمائة من التونسيين يؤيدون تقليص أعدادهم، بينما يدعم 26 بالمائة وقف استقبالهم بشكل كامل.

مفارقة تونسية

وتبرز الدراسة مفارقة أخرى لا تقل أهمية، إذ إن الموقف المتشدد نسبياً من الهجرة إلى تونس يتزامن مع استمرار رغبة عدد مهم من التونسيين في الهجرة إلى الخارج.

فقد أفاد 36 بالمائة من التونسيين بأنهم فكروا في الهجرة إلى بلد آخر، وهي ظاهرة ترتبط أساساً بالبحث عن فرص اقتصادية ومهنية أفضل.

ويأتي البحث عن فرص عمل أفضل في مقدمة دوافع الراغبين في الهجرة، بما يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع جزءاً من التونسيين، وخاصة الشباب، إلى التفكير في بناء مستقبلهم خارج البلاد.

وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة صارخة: بلد يواجه ضغوط الهجرة الوافدة في الوقت الذي لا تزال فيه الهجرة إلى الخارج تمثل خياراً بالنسبة إلى نسبة مهمة من مواطنيه.

التسامح الاجتماعي لا يعني قبول الهجرة

وتشير نتائج الدراسة إلى ضرورة التمييز بين موقف التونسيين من الأجانب باعتبارهم أفراداً، وموقفهم من الهجرة باعتبارها ظاهرة اقتصادية واجتماعية وسياسية.

فارتفاع نسبة من يقبلون وجود مهاجر أو لاجئ كجار لا يعني بالضرورة تأييدهم لسياسة مفتوحة للهجرة. فكلما ارتبط الأمر بالمنافسة على فرص العمل والموارد والخدمات، يصبح الموقف أكثر تحفظاً.

وتندرج هذه النتائج ضمن اتجاه إفريقي أوسع. فقد خلصت دراسة أفروبارومتر إلى أن 64 بالمائة من الأفارقة يؤيدون الحد من استقبال العمال الأجانب، بينما يؤيد 70 بالمائة الحد من استقبال اللاجئين.

وفي المقابل، يظهر مستوى مرتفع من التسامح في العلاقات الاجتماعية، إذ يقبل 87 بالمائة من الأفارقة العيش بجوار أشخاص من قومية مختلفة، بينما لا يجد 77 بالمائة حرجاً في العيش بجوار أشخاص يحملون جنسية مختلفة.

وتكشف هذه الأرقام أن مشكلة الهجرة في القارة الإفريقية لا ترتبط بالضرورة برفض الآخر، بقدر ما ترتبط بالمخاوف الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن البطالة، وضغط الخدمات، وتراجع القدرة الشرائية، والمنافسة على فرص العمل.

الهجرة.. وجهان لأزمة واحدة

وتضع نتائج الدراسة تونس أمام سؤال أعمق من مجرد الموقف من المهاجرين: لماذا يفكر جزء مهم من التونسيين أنفسهم في الهجرة؟

ففي الوقت الذي يرى فيه 65 بالمائة من المستجوبين أن وجود المهاجرين له تأثير سلبي على الاقتصاد، يبحث آلاف التونسيين بدورهم عن فرص عمل وحياة أفضل خارج البلاد.

وتكشف هذه المفارقة أن الهجرة، في الحالة التونسية، تبدو في جانب منها نتيجة مباشرة لأزمة اقتصادية واجتماعية تتجاوز حدود مسألة الهجرة الوافدة.

فالتونسي الذي يخشى أن ينافسه العامل الأجنبي على فرصة عمل، قد يكون هو نفسه مستعداً لمغادرة البلاد عندما تتاح له فرصة للعمل في أوروبا أو في بلد آخر.

وبذلك، لا تقدم أرقام أفروبارومتر مجرد صورة عن موقف التونسيين من المهاجرين، وإنما ترسم صورة أوسع لمجتمع يعيش بين هاجس الهجرة الوافدة وحلم الهجرة إلى الخارج، في وقت أصبحت فيه فرص العمل والقدرة على تحسين مستوى المعيشة عاملاً حاسماً في تشكيل المواقف من الهجرة والآخر.

وتخلص الدراسة إلى أن التماسك الاجتماعي في المجتمعات الإفريقية يظل أكثر قوة داخل الدوائر القريبة، وخاصة الأسرة والجيران، بينما تصبح الثقة أكثر هشاشة كلما اتسعت دائرة الاختلاف العرقي أو الديني أو الوطني، وهو ما يجعل معالجة ملف الهجرة مرتبطة ليس فقط بالسياسات الحدودية، وإنما أيضاً بالقدرة على تحقيق التنمية وخلق فرص العمل وتعزيز الثقة بين مختلف مكونات المجتمع.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى