الرئيسيةاقتصادالنفط يتجاوز 100 دولار.. هل تواجه تونس موجة جديدة من ضغط الطاقة؟

النفط يتجاوز 100 دولار.. هل تواجه تونس موجة جديدة من ضغط الطاقة؟

عاد شبح النفط المرتفع ليطرق أبواب الاقتصاد التونسي من جديد، بعدما تجاوز سعر خام برنت، اليوم الأربعاء، حاجز 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ أواخر جويلية الماضي، في تطور يأتي على وقع تصاعد المواجهة في الشرق الأوسط واضطراب حركة ناقلات النفط في واحد من أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.

وبحسب وكالة رويترز، ارتفع سعر خام برنت صباح اليوم إلى نحو 100 دولار للبرميل، مدفوعًا بتصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، ولا سيما الهجمات المرتبطة بالحوثيين على منشآت ومواقع في السعودية، إلى جانب اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وتشير المعطيات التي أوردتها الوكالة إلى أن التدفقات عبر المضيق، التي كانت تتراوح قبل التصعيد الأخير بين 8 و9 ملايين برميل يوميًا، انخفضت إلى أقل من مليوني برميل يوميًا.

ولا يتعلق الأمر بمجرد ارتفاع مؤقت في أسعار الخام، إذ باتت أسواق الطاقة العالمية تواجه معضلة أكبر تتمثل في صعوبة تقدير حجم الإمدادات التي تعبر فعليًا مضيق هرمز، في ظل اضطراب حركة الناقلات وتوقف بعض السفن عن تشغيل أجهزة التتبع، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين ويرفع ما يعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط.

تونس في قلب معادلة الطاقة

بالنسبة إلى تونس، يأتي هذا التطور في ظرف حساس، إذ لا تزال البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتأمين حاجاتها من المحروقات، في وقت تواجه فيه المالية العمومية ضغوطًا متزايدة.

وتكشف أحدث البيانات التي نشرتها منصة الطاقة المتخصصة، استنادًا إلى بيانات وحدة أبحاث الطاقة في واشنطن، أن تونس استوردت خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 ما معدله 85 ألف برميل يوميًا من النفط الخام والمشتقات، مقابل نحو 90 ألف برميل يوميًا خلال الفترة نفسها من سنة 2025.

والأكثر دلالة أن واردات المنتجات النفطية بلغت في المتوسط 68 ألف برميل يوميًا، مقابل 17 ألف برميل يوميًا من النفط الخام، بينما لم تتجاوز صادرات تونس من النفط الخام نحو 20 ألف برميل يوميًا خلال الفترة نفسها.

وتعني هذه الأرقام أن تونس، رغم امتلاكها إنتاجًا وصادرات من النفط الخام، تبقى مرتبطة بالسوق الدولية لتأمين جزء مهم من احتياجاتها من الوقود والمنتجات النفطية.

وتزداد حساسية الوضع مع تراجع مؤشر استقلالية الطاقة في البلاد إلى حوالي 34% خلال جوان 2026، وفق المعطيات التي أوردتها منصة الطاقة.

كل دولار إضافي له كلفة

المشكلة بالنسبة إلى تونس لا تكمن فقط في سعر برميل النفط، وإنما في سلسلة التأثيرات التي يمكن أن تنتج عن استمرار ارتفاع الأسعار.

فارتفاع النفط يعني ارتفاع كلفة استيراد المحروقات، وبالتالي زيادة الضغط على ميزان التجارة وعلى احتياطي العملة الصعبة، كما يمكن أن يرفع كلفة إنتاج الكهرباء والنقل والصناعة والخدمات.

وفي حال استمرار الأسعار فوق عتبة 100 دولار لفترة طويلة، فإن الحكومة ستجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا: إما تحمل جزء أكبر من كلفة الزيادة عبر الدعم، أو تمرير جزء منها إلى السوق، بما قد ينعكس على الأسعار والقدرة الشرائية والتضخم.

وهذا هو السيناريو الذي يجعل تطورات سوق النفط العالمية ذات أهمية مباشرة بالنسبة إلى المواطن التونسي، حتى وإن كان مصدر الأزمة يقع على بعد آلاف الكيلومترات.

الخطر الأكبر ليس النفط وحده

لكن ارتفاع النفط ليس الخطر الوحيد.

فالأزمة الحالية بدأت تؤثر أيضًا في أسعار الغاز الطبيعي، فيما أصبحت اضطرابات طرق الملاحة والطاقة عنصرًا إضافيًا في حسابات الشركات والدول.

وقد أشارت تقارير دولية إلى أن أسعار الغاز الأوروبية شهدت بدورها ارتفاعات قوية، في ظل المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة القادمة من منطقة الخليج.

وبالنسبة إلى تونس، فإن استمرار اضطراب طرق التجارة البحرية قد يعني أيضًا ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن، وهو ما يمكن أن ينعكس على أسعار عدد واسع من السلع المستوردة.

بعبارة أخرى، قد لا يصل تأثير الأزمة إلى تونس فقط عبر سعر النفط، وإنما أيضًا عبر كلفة نقل السلع والطاقة والمواد الأولية.

أوروبا تشدد حدودها.. والهجرة تدخل مرحلة جديدة

وفي الوقت نفسه، تتغير البيئة الأوروبية التي تتحرك داخلها تونس في ملف الهجرة.

فالاتحاد الأوروبي دخل منذ جوان 2026 مرحلة جديدة من تطبيق ميثاق الهجرة واللجوء، الذي يفرض إجراءات أكثر تشددًا في تسجيل وفحص الوافدين غير النظاميين، ويسرّع إجراءات اللجوء والإعادة، مع تعزيز الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد.

كما تظهر المعطيات الرسمية الأوروبية استمرار عدد من دول منطقة شنغن في إعادة فرض رقابة مؤقتة على حدودها الداخلية، لأسباب ترتبط أساسًا بالهجرة غير النظامية والأمن وحركة الأشخاص داخل المنطقة. وتشمل القائمة الحالية دولًا مثل إيطاليا وألمانيا وإسبانيا وفرنسا وهولندا والنمسا.

والأكثر إثارة للاهتمام أن خمس دول أوروبية، هي ألمانيا والنمسا واليونان والدنمارك وهولندا، اتفقت أخيرًا على السعي إلى إبرام اتفاقيات مع دول خارج الاتحاد الأوروبي لإنشاء ما يسمى «مراكز العودة» للمهاجرين الذين لا يملكون حق الإقامة، في توجه يعكس رغبة أوروبية متزايدة في نقل جزء من عمليات إعادة المهاجرين إلى خارج أراضي الاتحاد.

تونس بين ضغط الطاقة وضغط الهجرة

وهنا تبرز مفارقة جيوسياسية مهمة بالنسبة إلى تونس.

فالبلاد تقع في منطقة متوسطية أصبحت في السنوات الأخيرة جزءًا أساسيًا من الحسابات الأوروبية المتعلقة بالطاقة والهجرة في آن واحد.

أوروبا تحتاج إلى تعاون دول جنوب المتوسط للحد من الهجرة غير النظامية، لكنها في الوقت نفسه تواجه اضطرابات جيوسياسية ترفع كلفة الطاقة وتزيد المخاطر الاقتصادية.

أما تونس، فتجد نفسها أمام ضغوط متزامنة: حاجتها إلى الطاقة المستوردة، حاجتها إلى العملة الصعبة، حاجتها إلى الاستثمارات الخارجية، وفي المقابل الضغوط الأوروبية المتزايدة بشأن الهجرة وإعادة المهاجرين.

ماذا لو استمر النفط فوق 100 دولار؟

السؤال الذي يطرح نفسه الآن ليس فقط: هل تجاوز النفط 100 دولار؟

بل: إلى متى سيبقى فوق هذا المستوى؟

وكالة رويترز أشارت إلى أن مؤسسات مالية دولية بدأت بالفعل في تعديل توقعاتها للأسعار بسبب استمرار المخاطر الجيوسياسية واضطراب الإمدادات. كما أن الاضطراب في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، أصبح عنصرًا رئيسيًا في تحديد اتجاه السوق.

وفي المقابل، توجد عوامل قد تحد من الارتفاع، من بينها زيادة الإنتاج في بعض الدول خارج منظمة أوبك، وتراجع الطلب العالمي، خصوصًا في الصين، حيث تتوقع أبحاث صينية انخفاض الطلب على النفط خلال 2026.

لكن بالنسبة إلى تونس، تبقى المشكلة قائمة حتى لو لم يستمر النفط طويلًا عند 100 دولار.

فالاقتصاد التونسي لا يحتاج إلى أزمة نفط عالمية كبرى حتى يشعر بالضغط؛ مجرد ارتفاع مستمر في الأسعار العالمية، بالتزامن مع ارتفاع كلفة النقل والشحن والتأمين، يمكن أن يزيد الضغط على فاتورة الطاقة والمالية العمومية.

وبينما تراقب الأسواق العالمية حركة ناقلات النفط في الخليج، تراقب تونس بدورها سعر البرميل، لأن المسافة بين مضيق هرمز ومحطات الوقود التونسية قد تكون جغرافية فقط، أما اقتصاديًا، فإن تداعيات ما يحدث هناك يمكن أن تصل سريعًا إلى الداخل التونسي.

النفط تجاوز 100 دولار اليوم، لكن السؤال الذي يهم تونس أكثر هو: ماذا لو بقي هناك؟

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى