في أروقة محكمة الحاضرة، لم تكن الجلسة مجرد أرقام ملفات أو فصول قانونية جامدة، بل كانت تقاطعات حادة بين النص القانوني الخام وبين الحياة كما هي: متشابكة، متعبة، ومحمّلة بالقصص.
المحامي نافع العريبي يروي أنه كان حاضراً في اتصال مباشر مع ما لا يقل عن عشر قضايا تخصّ مهاجرين من دول جنوب الصحراء، طُلب منه خلالها المساعدة في توفير الترجمة بصفة ودية بطلب من رئيس الدائرة الجناحية. على الورق، التهم واضحة ومختصرة: “اجتياز الحدود خلسة” و“الإقامة غير القانونية”. لكن خلف هذه العبارات، كانت هناك حياة كاملة لا تختصرها جملة ولا فصل قانوني.
وجوه شابة وملامح مرهقة، كل واحد منها يحمل رواية مختلفة عن الطريق إلى تونس. طالب يقول إنه دخل البلاد عبر المطار بطريقة قانونية من أجل الدراسة، ويملك وثائق تسجيل ووصول إيداع لملف إقامة. آخر يروي أنه تم ترحيله من ليبيا نحو الحدود التونسية في ظروف غامضة، ليجد نفسه فجأة أمام جهاز العدالة. وغيرهم وصلوا من السودان وغينيا عبر مالي والجزائر، مشياً على الأقدام أو عبر وسائل نقل عشوائية، في رحلات امتدت لأسابيع عبر الصحراء الكبرى، بين العطش والخوف والاحتمال الدائم بالضياع.
بين النص القانوني والواقع الإنساني، تتسع الفجوة. فالقانون، كما يقول العريبي، له منطقه الصارم، والدولة لها حدودها وقواعدها، لكن هذا لا ينبغي أن يتحول إلى مسار يسحق الإنسان أو ينتزع منه كرامته.
الإشكال، وفق ما يثيره في شهادته، لا يقف عند حدود التكييف القانوني للتهم، بل يتجاوز ذلك إلى ضمانات أساسية للمحاكمة العادلة. إذ يُطرح سؤال الترجمة بوصفه نقطة جوهرية: كيف يمكن لمتهم لا يفهم اللغة أن يستوعب ما يُنسب إليه؟ وكيف يُبنى دفاعه في غياب مترجم محلف يضمن الفهم الكامل للإجراءات؟
في كثير من الحالات، تجد المحكمة نفسها مضطرة للاستعانة بمحامين أو أطراف حاضرة لتأمين الحد الأدنى من التواصل، وهو ما يطرح، حسب نفس المصدر، إشكالاً في مبدأ تكافؤ الفرص وضمانات الدفاع.
وإلى جانب البعد الإنساني والإجرائي، يفتح الملف أيضاً سؤال الكلفة. فتكلفة الإيواء والسجن تُقدّر بحوالي 80 ديناراً يومياً لكل سجين، وهو عبء مالي يتواصل طوال فترة الإيقاف أو السجن، دون أن تكون كل حلقات المنظومة القضائية والدبلوماسية والإدارية مجهّزة بما يكفي من دعم، خاصة في ظل التزامات وتفاهمات دولية سابقة، من بينها اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي أُثير حولها الكثير من النقاش.
هكذا، بين نصوص قانونية صلبة وواقع إنساني شديد التعقيد، يبقى السؤال معلقاً: هل يمكن أن تُدار ملفات الهجرة فقط بمنطق “الاجتياز غير القانوني”، أم أن خلف كل ملف هناك قصة إنسان لا ينبغي أن تضيع بين العناوين الجاهزة؟
القضايا رُفعت بعد الجلسة، لكن مصير أصحابها ما يزال معلقاً في مساحة رمادية، لا هي حكم نهائي ولا هي بداية واضحة لطريق آخر.



