شهدت المنصات الرقمية اليوم تداول تدوينة مؤثرة للمحامي سامي بن غازي حول الظروف الصحية لوزير الثقافة السابق والمؤرخ عزالدين باش شاوش البالغ من العمر 88 عاما الذي اودع في السجن تنفيذا لقرار قضائي .. ووفقاً لما ورد في التدوينة، فقد تمت عملية النقل من سريره الطبي وفي ساعة متأخرة من الليل، دون التمكن من نقل المعدات الطبية الحيوية (قارورة الأكسجين) التي يستعملها للتنفس نظراً لعجزه عن الحركة؛ وهو ما فتح باباً للنقاش القانوني والحقوقي حول الشروط الموضوعية للإيقاف ومدى ملاءمته للوضعية الصحية والسن المتقدمة للمتّهمين.
الإطار القانوني التونسي: غياب السقف العمري ومرونة الآليات البديلة
من الناحية القانونية الصرفة، لا يتضمن التشريع التونسي نصاً صريحاً يحدد سناً قصوى لمنع سجن الأشخاص أو إيقافهم تحفظياً، طالما كانت الأهلية الجزائية متوفرة وقت ارتكاب الفعل المنسوب إليهم. ومع ذلك، أحاط المشرع التونسي منظومة الإيقاف والسجون بضوابط وضمانات تراعي الأوضاع الاستثنائية:
- الصبغة الاستثنائية للإيقاف التحفظي: تنص مجلة الإجراءات الجزائية على أن الإيقاف التحفظي هو تدبير استثنائي. ويشير فقه القضاء إلى أن اللجوء إليه يتطلب توفر شروط موضوعية، مثل الخشية من فرار المتهم، أو الحفاظ على الأدلة، أو حماية الأمن العام؛ وهي شروط يعاد تقييمها وتكييفها بحسب الوضعية الجسدية والصحية للموقوف.
- قانون السجون والرعاية الصحية: تفرض أحكام القانون عدد 52 لسنة 2001 المتعلق بنظام السجون، التزاماً بتوفير الرعاية الطبية اللازمة للمساجين والموقوفين بما يتلاءم مع وضعهم الصحي، وتتيح القوانين نقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات العمومية لتلقي العلاج المناسب.
- التدابير البديلة للإفراج: يتيح القانون التونسي تقديم مطالب سراح مؤقت للموقوفين على ذمة القضايا، كما يمنح آلية « السراح الشرطي » للمحكومين، حيث تُعد الأوضاع الصحية المتردية والتقدم في السن من العناصر المرجّحة لقبول هذه المطالب.
مقاربة الأنظمة القانونية المقارنة والمعايير الدولية
في المقابل، تتجه عديد المنظومة القانونية الحديثة والمعايير الدولية إلى إيجاد بدائل عملية للتعامل مع كبار السن في المادة الجزائية، بهدف تحقيق التوازن بين العدالة والجدوى الاقتصادية والإنسانية للعقوبة:
- بدائل السلب للحرية: تعتمد بعض التشريعات الأوروبية والأمريكية نظام « الإقامة الجبرية » أو « السجن المنزلي » (المقترن بالرقابة الإلكترونية) للأشخاص الذين تجاوزوا سن الـ70 أو الـ75 عاماً، لا سيما في القضايا التي لا تشكل خطراً داهمًا على الأمن العام، وذلك لتفادي الكلفة الباهظة للرعاية الطبية المتقدمة داخل المؤسسات السجنية.
- الإفراج لدواعي الرأفة الصحية : تنص القوانين الفيدرالية في بعض الدول على إمكانية الإفراج المبكر عن السجناء الطاعنين في السن الذين يعانون من أمراض عجز كامل (مثل ألزهايمر أو الأوضاع الصحية التي تتطلب غرف إنعاش مستمرة)، نظراً لعدم ملاءمة البيئة السجنية لتلك المتطلبات اليومية.
- المعايير الدولية (قواعد مانديلا): تصنف منظمة الأمم المتحدة السجناء المسنين ضمن الفئات ذات الاحتياجات الخاصة، وتوصي بتكييف أماكن الاحتجاز وأنظمتها الغذائية والطبية لتتوافق مع طبيعة وهنهم البدني.
- إن دراسة ملفات الموقوفين من كبار السن تظل دائماً محل موازنة دقيقة بين متطلبات إنفاذ القانون وسير العدالة، وبين تفعيل بدائل الإيقاف والتتبع المتاحة تشريعياً، بما يضمن صيانة الحقوق الأساسية لجميع الأطراف المعنية في إطار دولة القانون.



