الرئيسية أخبار تونس بين الجزائر وإيطاليا… أين تقف تونس في معادلة الغاز؟

بين الجزائر وإيطاليا… أين تقف تونس في معادلة الغاز؟

0
655
blank

تنامى الجدل في تونس خلال الفترة الأخيرة حول معطيات متعلقة بخط الغاز العابر للمتوسط “ترانسماد”، بعد تداول أرقام بدت، في ظاهرها، متناقضة بين ارتفاع كميات الغاز المتجهة نحو إيطاليا وتراجع العائدات المسجلة لفائدة تونس، ما فتح باب التأويلات والتساؤلات حول طبيعة الاتفاقيات الطاقية المعمول بها.

غير أن التوضيح الذي قدمه عدد من الخبراء في قطاع الطاقة يغيّر زاوية قراءة هذه الأرقام بشكل جوهري، إذ يبدو أن الإشكال المطروح ناتج أساساً عن الخلط بين مسارين تعاقديين مختلفين، وليس بالضرورة عن تناقض في كميات الغاز العابرة للأراضي التونسية.

مساران مختلفان بالكامل في هذا السياق، يُشير التوضيح التقني إلى أن خط أنبوب الغاز العابر للمتوسط (ترانسماد) ليس عقداً مباشراً بين تونس والجزائر في ما يتعلق بما يُوصف أحياناً بـ”الريع الجبائي”، بل هو في الأصل إطار تعاقدي منفصل يربط تونس بالطرف الإيطالي ممثلاً في مشغل شبكة الغاز سنام.

وبموجب هذا الاتفاق، تتحصل تونس على نسبة تقدّر بـ5.25% من كميات الغاز العابرة عبر أراضيها نحو إيطاليا، إما في شكل غاز فعلي أو في شكل مقابل مالي، وذلك وفق الصيغة التعاقدية المعتمدة وحاجياتها الطاقية.

في المقابل، فإن واردات تونس من الغاز الجزائري تمثل مساراً تعاقدياً مختلفاً تماماً، يرتبط بتأمين حاجيات السوق الداخلية عبر الشركة التونسية للكهرباء والغاز الشركة التونسية للكهرباء والغاز، في إطار علاقة تجارية مباشرة مع الشركة الوطنية الجزائرية للمحروقات سوناطراك، حيث تتولى الدولة التونسية خلاص هذه الكميات وفق عقود توريد منفصلة. وبالتالي، فإن ارتفاع واردات تونس من الغاز الجزائري بنسبة 12% لا يمكن ربطه مباشرة بتطور كميات الغاز العابرة نحو إيطاليا، باعتبار أن المسارين الماليين والتجاريين مستقلان عن بعضهما البعض.

سؤال التناقض الظاهر في الأرقام في قلب الجدل المطروح، يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن تسجيل ارتفاع في كميات الغاز العابرة نحو إيطاليا عبر “ترانسماد” بنسبة تقارب 4%، في حين يُسجّل تراجع في ما يُعرف بالريع الجبائي التونسي بنسبة 32% خلال الفترة نفسها؟ وفق الخبراء، فإن هذا التباين الظاهر قد تكون له تفسيرات تقنية متعددة، لا ترتقي بالضرورة إلى فرضية وجود خلل في الاتفاقيات أو تغيير غير معلن في الشروط التعاقدية، بل ترتبط أساساً بمنهجيات الاحتساب والتسوية.

فرضيات تقنية لتفسير الفارق أولى هذه الفرضيات تتعلق باختلاف فترة الاحتساب أو طريقة تحويل الكميات بين المصادر المختلفة. إذ تعتمد الجذاذات الطاقية التونسية غالباً على وحدات الطاقة (كيلو طن مكافئ نفط)، مع إمكانية إدخال تعديلات محاسبية أو تحويلات تقنية، في حين أن بيانات المشغل الإيطالي سنام قد تعتمد تدفقات الغاز الفعلية بشكل مباشر، ما قد ينتج فروقات في المقارنة.

كما تبرز فرضية ثانية تتعلق بطبيعة المقابل الذي تتحصل عليه تونس، إذ إن نسبة 5.25% المنصوص عليها في الاتفاق يمكن أن تُصرف إما في شكل غاز أو في شكل مقابل مالي، وهو ما يعني أن انخفاض الكمية المسجلة كـ”ريع جبائي” لا يعكس بالضرورة انخفاضاً فعلياً في حجم الامتياز، بل قد يرتبط بطريقة التسوية أو اختيار شكل الدفع. أما الفرضية الثالثة فتتعلق بإمكانية وجود تغييرات في آليات المقاصة أو في تفاصيل تقنية مرتبطة بتنفيذ الاتفاق، وهي نقطة تبقى بحاجة إلى توضيحات رسمية دقيقة من الجهات المعنية.

في نهاية الأمر فان خلط حصل في المقارنة لا في المعطيات اذ أن الإشكال المطروح في النقاش العام حول ترانسماد يبدو، وفق هذا التفسير، مرتبطاً أساساً بخلط بين ملفين مختلفين: ملف العبور عبر الأراضي التونسية المرتبط بالاتفاق مع الطرف الإيطالي، وملف توريد الغاز الجزائري الموجه للاستهلاك الداخلي. وبناءً على ذلك، فإن المقارنة المباشرة بين “الريع الجبائي من ترانسماد” و”واردات الغاز من الجزائر” قد تؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، نظراً لاختلاف المنطق التعاقدي والمالي الذي يحكم كل مسار على حدة. ويبقى السؤال المطروح بإلحاح في هذا السياق:

إذا كانت كميات الغاز العابرة نحو إيطاليا قد سجلت ارتفاعاً، فما سبب تراجع العائدات المسجلة في بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم؟ وهل يتعلق الأمر بتغير في طرق الاحتساب، أم بتعديلات تقنية في آليات التسوية؟ سؤال يظل مفتوحاً على التفسير الرسمي، باعتبار أن الأرقام وحدها، دون تفكيك منهجياتها، لا تكفي للحسم في ملف بهذه الحساسية الطاقية والمالية.