الرئيسيةأخبار تونستسريب القوائم المالية قبل نشرها رسمياً يزلزل البورصة التونسية: من سرّب المعلومة...

تسريب القوائم المالية قبل نشرها رسمياً يزلزل البورصة التونسية: من سرّب المعلومة ومن استفاد منها؟

لم يكن نشر القوائم المالية لشركة «يونيفرسال أوتو ديستريبوتورز هولدينغ» على إحدى صفحات شبكات التواصل الاجتماعي مجرد سبق في نشر وثيقة مالية، كما قد يبدو للوهلة الأولى.

مجلس السوق المالية قرر إحالة الملف إلى النيابة العمومية لدى المحكمة الابتدائية بتونس، بعد أن ظهرت القوائم على صفحة «أنفو بورصة .تي أن» قبل استكمال إجراءات الرقابة القبلية وقبل نشرها رسمياً للعموم.

بهذه الإحالة، انتقلت القضية من خلاف حول توقيت نشر وثيقة إلى ملف قضائي يمكن أن تكون له تداعيات أوسع على طريقة تداول المعلومات داخل الشركات المدرجة وفي محيط البورصة التونسية.

القصة بدأت عندما ظهرت القوائم المالية للشركة على مواقع التواصل الاجتماعي في وقت لم تكن فيه قد نشرت بعد عبر القنوات الرسمية المعتمدة. مجلس السوق المالية استفسر الشركة عن ظروف وصول الوثائق إلى العموم، لتؤكد إدارة «يونيفرسال أوتو ديستريبوتورز هولدينغ» أنها وضعت القوائم على ذمة مساهميها قبل انعقاد الجلسة العامة العادية، وفق ما تقتضيه الإجراءات القانونية، لكنها قالت في المقابل إنها تجهل هوية الطرف الذي قام بتسريبها ونشرها.

وهنا تحديداً تتوقف المسألة عند حدود قانونية دقيقة.

فإتاحة الوثائق للمساهمين في الإطار الذي يسمح به القانون لا تعني أن تصبح الوثائق متاحة للنشر العمومي قبل استكمال إجراءات الإفصاح الرسمية. وفي سوق مالية، التوقيت جزء من المعلومة نفسها، لأن المستثمرين يفترض أن يحصلوا على البيانات المؤثرة في قراراتهم في ظروف متكافئة.

مجلس السوق المالية اعتبر أن الوقائع يمكن أن تندرج ضمن أحكام الفصل 81 من القانون عدد 94-117 المتعلق بإعادة تنظيم السوق المالية، وهو الفصل الذي يتضمن أحكاماً تتعلق بالمعلومات الداخلية وإيصالها إلى الغير خارج الإطار العادي للنشاط المهني أو الوظيفي، فضلاً عن استعمال المعلومات التي لم تصبح متاحة للعموم في عمليات بالسوق.

ولا يعني ذلك، في هذه المرحلة، أن شخصاً معيناً ثبتت مسؤوليته أو أن عملية تداول للأسهم تمت بناء على المعلومات المسربة. هذه مسائل يفترض أن يكشف عنها البحث القضائي.

لكن أهمية الملف تكمن في أن الهيئة الرقابية لم تكتف بالمعالجة الإدارية، بل اختارت إحالة الوقائع إلى القضاء. وهذا وحده يعكس حساسية المعلومات المالية بالنسبة إلى السوق وإلى المستثمرين.

المعلومة المالية ليست وثيقة عادية

القوائم المالية للشركات المدرجة لا تتعلق بمجرد أرقام محاسبية. فهي تقدم صورة عن رقم المعاملات والنتائج والديون والوضعية المالية للمجموعة، ويمكن أن تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في نظرة المستثمرين إلى الشركة وفي قراراتهم المتعلقة بالسهم.

لهذا السبب تقوم قواعد السوق المالية على مبدأ أساسي: أن تصل المعلومة المؤثرة إلى المستثمرين وفق قواعد واضحة وفي إطار يضمن المساواة في النفاذ إليها.

وأي خروج عن هذا الترتيب يمكن أن يخلق أفضلية غير متكافئة لمن تصل إليه المعلومة في وقت مبكر.

وهنا تكمن خطورة ما حصل مع «يونيفرسال أوتو ديستريبوتورز هولدينغ». فالوثائق لم تكن مجرد بيان صحفي عادي، وإنما بيانات مالية لشركة مدرجة، ظهرت على شبكة اجتماعية قبل اكتمال مسار نشرها الرسمي.

سابقة تستحق التوقف عندها

في حدود السوابق المنشورة والمتاحة، لا تظهر حالة مطابقة تماماً لهذه الواقعة، من حيث إحالة مجلس السوق المالية إلى النيابة العمومية ملفاً يتعلق بنشر قوائم مالية لشركة مدرجة قبل نشرها الرسمي على شبكة اجتماعية.

وهذا يجعل الملف جديراً بالمتابعة، ليس فقط بسبب الشركة المعنية، وإنما بسبب ما يمكن أن يترتب عنه على مستوى قواعد الإفصاح المالي.

فإذا انتهى التحقيق إلى تحديد مصدر التسريب دون وجود استعمال للمعلومة في السوق، فستبقى القضية مرتبطة أساساً بحماية الوثائق والمعلومات قبل نشرها الرسمي.

أما إذا كشف البحث عن استعمال للمعلومات في عمليات مالية قبل وصولها إلى بقية المستثمرين، فإن طبيعة الملف ستكون مختلفة تماماً، لأن الأمر سيكون عندها متعلقاً بتكافؤ الفرص داخل السوق وبالاستفادة من معلومة لم تكن متاحة للعموم.

وهذا تحديداً ما يجعل الإحالة القضائية مهمة.

مسؤولية من

المسألة لا تتعلق فقط بالجهة التي قامت بالنشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

هناك قبل ذلك سلسلة من مراحل تداول الوثيقة: إعداد القوائم، مراجعتها، وضعها على ذمة المساهمين، تداولها بين الأشخاص المعنيين، ثم وصول نسخة منها إلى الخارج ونشرها.

التحقيق القضائي هو الجهة التي يمكنها تحديد كيفية خروج الوثائق ومن كان يملك إمكانية الوصول إليها في تلك الفترة.

أما بالنسبة إلى الشركات المدرجة، فإن القضية تطرح بصورة عملية مسألة حماية الوثائق المالية الحساسة قبل نشرها، خصوصاً في مرحلة أصبحت فيها وثيقة واحدة قابلة للانتشار خلال دقائق عبر صفحات ومجموعات التواصل الاجتماعي.

ضربة لثقة المستثمرين إذا تحولت إلى ظاهرة

أسواق المال تعيش أساساً على الثقة. المستثمر يقبل المخاطرة المرتبطة بالاستثمار، لكنه يفترض في المقابل أن قواعد اللعبة واحدة بالنسبة إلى الجميع.

ومن هنا تأتي أهمية تدخل الهيئة الرقابية عندما يتعلق الأمر بمعلومة مالية تظهر قبل موعدها.

القضية الحالية لا تسمح بعد بالحديث عن تلاعب في السوق أو عن أرباح غير مشروعة، ولا توجد في المعطيات المعلنة مسؤولية ثابتة على شخص بعينه.

لكنها تضع أمام السوق التونسية ملفاً حساساً: حماية المعلومات المالية قبل نشرها، وضمان وصولها إلى المستثمرين في الوقت نفسه، ومنع تحول التسريبات إلى وسيلة تمنح بعض المتعاملين أفضلية على حساب البقية.

وفي انتظار ما سيكشفه القضاء، ستبقى قضية «يونيفرسال أوتو ديستريبوتورز هولدينغ» واحدة من الملفات التي تستحق المتابعة في البورصة التونسية، ليس بسبب الوثائق التي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، وإنما بسبب القرار الذي اتخذه مجلس السوق المالية عندما قرر أن يضع الملف أمام النيابة العمومية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى