تشهد العلاقات التونسية السويدية خلال السنوات الأخيرة نسقًا متصاعدًا، يعكس انتقالها من مستوى العلاقات الدبلوماسية التقليدية إلى شراكة اقتصادية وتنموية أكثر عمقًا، مدفوعة بتزايد الاستثمارات السويدية، وانخراط الشركات الكبرى في مشاريع استراتيجية، إضافة إلى تنسيق سياسي متواصل حول قضايا التنمية والانتقال الطاقي والاقتصاد الأخضر.
وباتت السويد اليوم واحدة من أبرز الشركاء الاقتصاديين لتونس داخل الفضاء الإسكندنافي، مع حضور متنامٍ لمؤسساتها الصناعية والتكنولوجية في عدد من القطاعات الحيوية.
من علاقات دبلوماسية إلى شراكة اقتصادية متطورة
تعود العلاقات الدبلوماسية بين تونس والسويد إلى سنة 1957، غير أن السنوات الأخيرة شهدت نقلة نوعية في مستوى التعاون، خاصة مع تكثيف الزيارات الرسمية وإطلاق مبادرات اقتصادية جديدة تستهدف دعم الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتعزيز التنمية المستدامة.
وخلال اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية التونسي بالسيدة ماريا مالمر ستينرغارد، وزيرة خارجية السويد، في أفريل 2025، أكد الجانبان الرغبة المشتركة في تعميق التعاون، خصوصًا في المجالات المرتبطة بالأولويات التنموية، والاقتصاد الأخضر، والتحول الرقمي، والابتكار.
السويد في قلب أكبر مشروع طاقي بين أوروبا وإفريقيا
ويبرز اسم السويد اليوم بقوة في أحد أهم المشاريع الاستراتيجية التي تعرفها تونس، وهو مشروع ألماد، أول ربط كهربائي مباشر بالتيار المستمر عالي الجهد بين أوروبا وإفريقيا.
ويقوم المشروع على إنشاء خط كهربائي بحري يربط تونس بجزيرة صقلية الإيطالية، بما يسمح بدمج الشبكتين الكهربائيتين الأوروبية والإفريقية وتعزيز أمن الطاقة في المنطقة المتوسطية.
وفي هذا المشروع تلعب شركة هيتاشي اينرجي دورًا محوريًا، باعتبارها الشريك التاريخي للشركة التونسية للكهرباء والغاز حيث تتولى توفير التكنولوجيا الخاصة بمحطات تحويل التيار الكهربائي.
وتكتسي المشاركة السويدية أهمية خاصة، لأن المكونات الرئيسية لتكنولوجيا سيتم تصميمها وتصنيعها بمدينة لودفيكا السويدية، التي تعد المركز العالمي لتميز الشركة في هذا المجال.
ولا يمثل المشروع مجرد صفقة صناعية، بل يعد أحد أكبر مشاريع التكامل الطاقي بين ضفتي المتوسط، بدعم من الاتحاد الأوروبي عبر برنامج ، إضافة إلى عدد من المؤسسات المالية الدولية.
كما يعزز المشروع موقع تونس كمحور إقليمي لنقل الكهرباء وربط شبكات الطاقة، ويفتح المجال مستقبلاً أمام تصدير الكهرباء المنتجة من الطاقات المتجددة نحو السوق الأوروبية.

أوتوليف… قصة نجاح صناعية سويدية في تونس
ومن أبرز الأمثلة على نجاح الاستثمار السويدي في تونس، شركةأوتوليف العالمية المتخصصة في أنظمة السلامة الخاصة بصناعة السيارات.
فمنذ انطلاق نشاطها في تونس سنة 2005، تحولت الشركة إلى أكبر مشغل سويدي في البلاد، حيث توفر أكثر من 4500 موطن شغل.
وفي جوان 2026، شاركت السفيرة السويدية سيسيليا رامستن في افتتاح مشروع توسعة مصنع الشركة بولاية زغوان، بحضور وزير التجهيز والإسكان والمكلّف بتسيير وزارة الصناعة والمناجم والطاقة صلاح الزواري.
وتعد الشركة الرائد العالمي في تجهيزات السلامة السياراتية، وتتبنى شعار أو « إنقاذ المزيد من الأرواح »، من خلال تطوير الوسائد الهوائية وأحزمة الأمان وأنظمة الحماية الذكية.
وتتميز التجربة التونسية للشركة بخصوصية لافتة، إذ اختارت الاستثمار في منطقة داخلية، الأمر الذي ساهم في:
- خلق آلاف فرص العمل.
- دعم تشغيل النساء والشباب.
- نقل الخبرات الصناعية الحديثة.
- تنمية الاقتصاد المحلي في ولاية زغوان.
كما أن مشروع التوسعة جاء بدعم من ألمانيا عبر بنك التنمية الألماني ضمن آلية « الاستثمارات من أجل التشغيل »، في نموذج يجمع بين التمويل الأوروبي والخبرة الصناعية السويدية.

استثمارات ترتكز على التكنولوجيا والقيمة المضافة
ولا يقتصر الحضور السويدي على قطاع السيارات والطاقة فقط، بل يشمل مجالات متعددة تعتمد أساسًا على التكنولوجيا والابتكار، من بينها:
- الصناعات الميكانيكية والكهربائية.
- تكنولوجيات الاتصال.
- الحلول الرقمية.
- الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.
- أنظمة النقل الذكية.
- تحديث البنية التحتية الكهربائية.
كما تشجع السلطات التونسية الشركات السويدية على المشاركة في مشاريع التحول الرقمي وتطوير الخدمات الذكية والاقتصاد المبني على المعرفة.
الاقتصاد الأخضر في صدارة التعاون
أحد أهم محاور الشراكة بين البلدين يتمثل في الاقتصاد الأخضر والانتقال البيئي.
فالسويد تعد من الدول الأوروبية الرائدة عالميًا في:
- الطاقات المتجددة.
- الاقتصاد الدائري.
- النجاعة الطاقية.
- إدارة النفايات.
- تقنيات الحد من الانبعاثات الكربونية.
وفي المقابل، تعمل تونس على تنفيذ استراتيجية وطنية لرفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء، وهو ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الشركات السويدية للمشاركة في مشاريع إنتاج الكهرباء النظيفة ونقلها وتخزينها.
دعم للتشغيل وتمكين الشباب والمرأة
ويتجاوز التعاون بين البلدين الجانب الاقتصادي ليشمل برامج التنمية الاجتماعية.
فالحكومة السويدية تساهم، عبر الاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية، في تمويل مشاريع تهدف إلى:
- دعم ريادة الأعمال.
- تمكين الشباب اقتصاديًا.
- إدماج المرأة في سوق الشغل.
- تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
- تطوير المهارات المهنية.
وتعتبر هذه البرامج جزءًا من رؤية أشمل لتعزيز التنمية المستدامة والحد من الفوارق الجهوية.
التجارة والاستثمار… فرص توسع جديدة
اقتصاديًا، تعتبر السويد من أهم شركاء تونس داخل منطقة شمال أوروبا.
وتسعى الحكومتان إلى:
- رفع حجم المبادلات التجارية.
- تشجيع الاستثمارات الصناعية.
- تنويع الصادرات التونسية نحو الأسواق الإسكندنافية.
- خلق شراكات مباشرة بين رجال الأعمال.
وفي هذا الإطار تم إطلاق فريق الأعمال السويدي–التونسي بهدف بناء علاقات طويلة الأمد بين الشركات في البلدين وتشجيع الاستثمارات المشتركة.
تعاون يتوسع نحو السياحة والهجرة والبحث العلمي
كما تشمل العلاقات الثنائية مجالات أخرى من بينها:
- تشجيع السياحة السويدية نحو تونس.
- التعاون في ملفات الهجرة والتنقل.
- دعم البحث العلمي والابتكار.
- التعاون الجامعي.
- المساواة بين الجنسين.
- الحوكمة والتنمية المحلية.
وتنسق السويد كذلك مع تونس في إطار الشراكة مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية لدعم الإصلاحات الاقتصادية ومشاريع التنمية.
حضور مرشح لمزيد من التوسع
تؤكد المؤشرات الحالية أن الحضور السويدي في تونس لم يعد يقتصر على استثمارات صناعية معزولة، بل أصبح جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع تقوم على نقل التكنولوجيا، ودعم التحول الطاقي، وتعزيز الاقتصاد الأخضر، والاستثمار في الصناعات ذات القيمة المضافة.
ومع انطلاق مشاريع كبرى على غرار ألماد، وتوسع شركات عالمية مثل أوتوليف، تبدو العلاقات الاقتصادية بين تونس والسويد مرشحة لدخول مرحلة جديدة، قد تجعل من المملكة الإسكندنافية أحد أبرز الشركاء الأوروبيين لتونس في مجالات الطاقة، والصناعة المتقدمة، والابتكار، والتنمية المستدامة خلال السنوات المقبلة.



