الرئيسيةأخبار تونسحين تكون المأساة أكبر من البيان.. طفلة تتعرض لعملية إغتصاب جماعي وبلاغ...

حين تكون المأساة أكبر من البيان.. طفلة تتعرض لعملية إغتصاب جماعي وبلاغ إداري من وزارة الأسرة

في قضية تهز الرأي العام، لا يكفي أن تقول وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن إنها «تتابع ببالغ الانشغال» وأن مصالحها «تولت الإحاطة والمرافقة».

أحياناً تكون لغة البلاغ في حد ذاتها جزءاً من الموقف الرسمي، وعندما يتعلق الأمر بطفلة في السادسة عشرة، توجد في وضع صحي خطير، في قضية تحقق فيها الجهات الأمنية والقضائية في شبهة تعرضها لاعتداء جنسي، فإن التونسيين كانوا ينتظرون خطاباً أكثر وضوحاً وقوة من مجرد تعداد للإجراءات الإدارية التي قامت بها الوزارة.

البلاغ الصادر عن الوزارة يتحدث عن «متابعة لصيقة» و«إحاطة ومرافقة ضرورية» و«تعهد نفسي واجتماعي»، وهي كلها إجراءات مهمة ولا جدال في ضرورتها.

لكن قراءة البلاغ تترك انطباعاً بأن الوزارة تتحدث عن ملف اجتماعي عادي، بينما القضية، بحسب المعطيات المتداولة حولها، أثارت صدمة واسعة بسبب خطورة الاعتداء المشتبه فيه والوضع الصحي للطفلة.

المشكلة هنا ليست في ما قالته الوزارة، وإنما أيضاً في ما لم تقله.

كان يمكن للبلاغ أن يحمل رسالة أكثر وضوحاً بشأن حماية الطفلة، ورفض كل أشكال الاعتداء على الأطفال، والتأكيد على ضرورة كشف ملابسات القضية وتحديد المسؤوليات وفق القانون، مع التشديد على أن الضحية تحتاج قبل كل شيء إلى الحماية والرعاية وليس إلى أن تتحول قضيتها إلى مادة للتداول على شبكات التواصل الاجتماعي.

وكان يمكن أيضاً أن يكون الخطاب أكثر مباشرة تجاه خطورة نشر صور الطفلة ومعطياتها الشخصية.

فهذه النقطة وردت في البلاغ، وهي مهمة للغاية، لكنها جاءت في نهاية نص طويل نسبياً ركز أساساً على الإجراءات الإدارية للوزارة.

وفي مثل هذه القضايا، يحتاج الرأي العام إلى معرفة أن مؤسسات الدولة موجودة فعلاً إلى جانب الضحية، لا فقط عبر المراسلات والتعهدات، وإنما عبر موقف واضح يضع حماية الطفل في مقدمة الأولويات.

ثم إن عبارة «شبهة تعرضها للاعتداء الجنسي»، رغم سلامتها القانونية، تبدو شديدة التحفظ في بلاغ يتعلق بواقعة بهذا الحجم.

صحيح أن التحقيق القضائي لم ينته بعد، ومن حق كل مشتبه به أن يتمتع بقرينة البراءة، لكن احترام الإجراءات القانونية لا يمنع الوزارة من التعبير بوضوح عن خطورة العنف الجنسي ضد الأطفال وعن رفضه دون مواربة.

أما الإشارة إلى المخدرات، فقد وردت في البلاغ بصورة عامة من خلال الحديث عن «مكافحة ظاهرة المخدرات والتوقي من مخاطرها»، دون أن يقدم النص للرأي العام تصوراً واضحاً عن سبب ورود هذا الملف في سياق القضية، وهو ما يترك مساحة واسعة للتأويل في وقت تحتاج فيه عائلة الضحية والرأي العام إلى خطاب مسؤول ودقيق.

الأهم من ذلك كله أن الطفلة ليست رقماً في بيان إداري.

هي قاصر، وفي وضع صحي خطير، والأسرة تعيش واحدة من أصعب اللحظات التي يمكن أن تمر بها عائلة. ولذلك كان المنتظر من الوزارة أن يكون صوتها أكثر إنسانية، وأكثر مباشرة، وأكثر صرامة في التأكيد على أن حماية الطفلة وكرامتها وحقها في العلاج والخصوصية تأتي قبل كل شيء.

لا أحد يطالب الوزارة بأن تحل محل القضاء أو أن تعلن نتائج التحقيق قبل أوانها، ولا بأن توجه الاتهام إلى أي شخص قبل ثبوت مسؤوليته.

لكن بين احترام سرية التحقيق والصمت المؤسساتي البارد مساحة واسعة يمكن للوزارة أن تتحرك فيها.

كان يمكن أن تقول ببساطة وبوضوح: نحن أمام طفلة تحتاج إلى الحماية، والتحقيق يجب أن يكشف كل الملابسات، وكل من تثبت مسؤوليته يجب أن يتحمل تبعات أفعاله وفق القانون، والوزارة ستبقى إلى جانب الضحية وعائلتها حتى نهاية مسار التعهد.

هذه الرسالة كانت ستكون أكثر قوة من عبارات «التعهيد» و«المرافقة» و«التنسيق مع مختلف الشركاء».

وفي النهاية، فإن حماية الأطفال لا تقاس بعدد المندوبيات التي تم إشعارها، ولا بعدد الاجتماعات والتنسيقات، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على التحرك عندما يكون الطفل في خطر، وبقدرتها كذلك على حماية الضحية من الاعتداء مرة ثانية، سواء عبر التشهير بصورتها أو كشف هويتها أو تحويل مأساتها إلى مادة للتداول والاستغلال.

في قضية بهذه الحساسية، البلاغ الرسمي ليس مجرد إجراء إداري… إنه رسالة الدولة إلى الضحية وإلى عائلتها وإلى المجتمع كله.

وكانت هذه الرسالة تحتاج، بوضوح، إلى لغة أقوى بكثير.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى