بينما كانت أروقة البرلمان الكندي تهتزّ تعاطفاً مع الفاجعة التي راحت ضحيتها ابنة تونس، المغدورة ليلى بن سالم، وبينما كان رئيس الوزراء الكندي نفسه يقدم التعازي في جلسة رسمية تليق بحجم الكارثة، اختارت سفارتنا في « أوتاوا » أن تفاجئنا جميعاً ببلاغ رسمي وصور توثق إنجازاً من نوع آخر: السيد السفير الأسعد بوطارة، بحضرة طاقم السفارة الموقر، يقطع الشريط الشرفي لتدشين… « حانوت نظارات » في كندا!
الخبر الصادم الذي نزل كالمزحة الثقيلة على أبناء الجالية التونسية، فتح باباً واسعاً من التساؤلات المشروعة حول « البوصلة » التي تحرّك دبلوماسيتنا اليوم في دول القرار الكبرى. كندا، العملاق الاقتصادي وعضو مجموعة السبع، التي يُفترض أن تتحول سفارتنا فيها إلى خلية نحل لجلب الاستثمارات، وعقد الشراكات الجامعية والتقنية الضخمة، ودعم الملفات السيادية، تحوّلت لبرهة—بفضل هذا البلاغ—إلى راعٍ رسمي لمشاريع تجارية فردية بسيطة.

بالتأكيد، لا أحد يقلل من نجاح أي شاب تونسي في المهجر، والتهنئة لمؤسس المشروع واجبة، لكن هل يُعقل أن يتحول بروتوكول الدولة التونسية وممثلها الأول إلى أداة تسويقية لمحل تجاري خاص؟ أين هي معايير « الدبلوماسية الاقتصادية » التي نسمع عنها في الشعارات؟ وإذا فتحت السفارة هذا الباب، فهل ستتنقل لرعاية وافتتاح مئات المحلات والمشاريع التي يطلقها التونسيون يومياً في مختلف المقاطعات الكندية تفعيلاً لمبدأ المساواة؟
الشارع التونسي والجالية في كندا اليوم لا ينتظرون من سفيرهم صوراً تذكارية في محلات تجارية، بل ينتظرون صوتاً قوياً يتابع في المحاكم الكندية حقوق دماء ليلى بن سالم، وينتظرون تحركات دسمة تفتح آفاقاً حقيقية لآلاف الشباب التونسي الطامح للهجرة المنظمة أو الاستثمار الفعلي. ما حدث في « السبت المشهود » لم يكن مجرد هفوة اتصال، بل هو تجسيد حقيقي لخلل فادح في ترتيب الأولويات، يستوجب مراجعة عاجلة لكيفية إدارة صورتنا الدبلوماسية في الخارج.