الجدل الذي أثاره مقال مجلة لوبوان الفرنسية حول المؤسسة العسكرية التونسية يبدو في جزء منه ناتجاً عن قراءة سياسية للنص أكثر مما هو نابع من مضمون المقال نفسه.
فالمقال لم يقل إن الجيش التونسي يستعد لتغيير النظام، ولم يتحدث عن خطة عسكرية أو عن سيناريو انقلاب قادم، بل قدّم قراءة تاريخية لدور المؤسسة العسكرية في المحطات الكبرى التي عرفتها تونس منذ الاستقلال، وهي معطيات يعرفها المتابعون للشأن التونسي ولا تمثل اكتشافاً جديداً.
لقد تحدث المقال عن موقع الجيش في محطات مفصلية مثل سنة 1987، وثورة 2011، وإجراءات 25 جويلية 2021، من زاوية أن المؤسسة العسكرية كانت حاضرة أو كان لموقفها تأثير في تلك اللحظات، وهو أمر يندرج ضمن تحليل تاريخي لدور المؤسسات في فترات الانتقال السياسي.

كما أن الإشارة إلى سنة 1987 تحتاج إلى بعض الدقة التاريخية؛ فعملية إزاحة الرئيس الحبيب بورقيبة في 7 نوفمبر 1987 لم تكن عملية عسكرية تقليدية قادها الجيش الوطني، بل ارتبطت أساساً بتحرك سياسي وأمني قاده آنذاك الوزير الأول زين العابدين بن علي، مع اعتماد كبير على أجهزة أمنية، وخاصة قوات الحرس الوطني، في تأمين مسار انتقال السلطة.
أما في 2011، فقد أصبح معروفاً أن الجيش التونسي رفض الانخراط في قمع الاحتجاجات الشعبية، وهو موقف لعب دوراً في مسار الأحداث، دون أن يعني ذلك أن المؤسسة العسكرية استولت على السلطة أو فرضت قيادة سياسية بديلة.
وبخصوص 25 جويلية 2021، فإن المقال نقل واقعاً ميدانياً تمثل في انتشار وحدات عسكرية أمام مؤسسات الدولة عقب القرارات التي أعلنها رئيس الجمهورية قيس سعيد، لكنه لم يقدم ذلك باعتباره إعلاناً عن دور سياسي دائم للجيش أو مشروعاً لحكم عسكري.
إن اختزال المقال في عبارة « لوبوان تتوقع تغيير النظام عبر الجيش » هو تأويل لا ينسجم مع النص. فالمجلة طرحت سؤالاً حول علاقة المؤسسة العسكرية بالسياسة في تونس، وهو سؤال يطرح عادة عند دراسة تاريخ الدول، لكنها لم تقدم توقعاً ولا خبراً عن تحرك عسكري مرتقب.
الفرق كبير بين دراسة تأثير مؤسسة وطنية في لحظات تاريخية معينة وبين القول إنها تستعد لصناعة تغيير سياسي جديد. الأول تحليل تاريخي، أما الثاني فهو استنتاج لم يرد في المقال.


