الرئيسية أخبار تونس ما الذي ينقص تونس فعلاً لاسترجاع أموالها المهربة؟

ما الذي ينقص تونس فعلاً لاسترجاع أموالها المهربة؟

0
531
الأموال المهربة
الأموال المهربة

في قضايا كبيرة مثل استرجاع الأموال المنهوبة، قد يبدو الخطاب السياسي في الظاهر قوياً ومقنعاً، لكنه عندما نضعه تحت ضوء الواقع والتجربة، تظهر تفاصيل أهم بكثير من الكلمات.

في جنيف،أكد كمال بن حسين، رئيس لجنة القيادة والتنسيق باللجنة الخاصة برئاسة الجمهورية المكلفة باسترجاع الأموال ‏المنهوبة والمهربة بالخارج، والمدير العام للشؤون القانونية بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، في مداخلة ألقاها أمس الإثنين، بمقر منظمة الأمم المتحدة في جنيف، أن استرداد الأموال المهربة بالخارج، لا يمكن أن يعتمد فقط على جهود الدولة الطالبة، بل يظل رهينًا بمدى استعداد الدول الحاضنة للأموال للتعاون الإيجابي والمرن، بعيدًا عن التعقيدات الإجرائية المفرطة أو المقاربات الشكلية الضيقة.

وشدد بن حسين، وفق بلاغ نشرته البعثة الدائمة للجمهورية التونسية بجنيف، على أن حق الدول في استرجاع أموالها المنهوبة يعد من الحقوق المشروعة في إطار القانون الدولي، وينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره نزاعًا ثنائيًا بين دولة طالبة ودولة متلقية للأموال، بل كجزء من معركة دولية أشمل ضد الفساد والإفلات من العقاب والاقتصاد غير المشروع، معتبرا أن نجاح هذا المسار من شأنه أن يعزز ثقة الشعوب في العدالة الدولية، وفي جدية المجتمع الدولي في تكريس مبادئ الإنصاف والمساءلة.

الرسالة مفهومة سياسياً، لكنها تفتح باب نقاش أوسع: كيف يعمل هذا الملف فعلاً في العالم الحقيقي؟

تحميل الخارج جزءاً كبيراً من العبء

الخطاب التونسي ركّز على فكرة أساسية: أن استرجاع الأموال مرتبط أساساً بتعاون الدول الأجنبية التي توجد فيها هذه الأموال.

وهذا صحيح جزئياً، لأن أي مال مهرب خارج البلاد لا يمكن استرجاعه دون تعاون قضائي دولي.

لكن المشكلة أن هذا الطرح يضع العبء الأكبر على الخارج، وكأن الحل يوجد فقط خارج تونس، وكأن يد الدولة “مكبّلة بالكامل” ولا تملك سوى انتظار إرادة الآخرين.

في الواقع، هذه الملفات تحتاج إلى أمرين معاً:

  • تعاون دولي
  • وأدوات قوية من الداخل: ملفات جاهزة، تتبع مالي دقيق، وضغط دبلوماسي وقضائي مستمر

بمعنى آخر: لا يكفي انتظار الخارج، بل يجب التحرك داخلياً وخارجياً في نفس الوقت.

لغة قانونية هادئة… لكن بلا ضغط سياسي

ما يميز الخطاب أنه جاء بلغة دبلوماسية هادئة ومؤسساتية، تتحدث عن العدالة الدولية، وعن حقوق الدول، وعن التعاون القضائي.

لكن هذه اللغة، رغم احترامها، تفتقد إلى عنصر مهم في مثل هذه الملفات: الضغط السياسي المباشر.

لا توجد أسماء، لا تحديد للعراقيل، ولا إشارة واضحة إلى أين تتعطل الملفات ولماذا.

وكأن الملف يُدار في عالم نظري منظم، بينما الواقع هو شبكة معقدة من:
بنوك، قوانين، ملاذات مالية، ومصالح متشابكة.

بين العدالة والمصالح

هنا تظهر الحقيقة الأهم: العدالة وحدها لا تكفي.

في النظام المالي الدولي، الأمور لا تُحسم فقط بالقانون أو الأخلاق، بل أيضاً بـ:

  • المصالح
  • النفوذ
  • والقدرة على الضغط والتفاوض

لذلك، أي خطاب يعتمد فقط على البعد الحقوقي أو الأخلاقي، يظل ناقصاً إذا لم يُترجم إلى استراتيجية عملية واضحة.

أين الاستراتيجية التونسية؟

السؤال الحقيقي ليس: هل تونس تملك حقها؟
فالجواب واضح: نعم.

لكن السؤال الأهم هو: هل تملك تونس خطة هجومية واضحة لاسترجاع هذا الحق؟

الخطاب يتحدث عن تعاون دولي ومسارات قضائية واتفاقيات أممية، لكن ما يغيب هو الصورة الكاملة:

  • أين وصلت الملفات فعلياً؟
  • ما هي الدول أو الجهات المعنية بشكل مباشر؟
  • ما هي النتائج التي تحققت إلى اليوم؟

بدون هذه الإجابات، يبقى الانطباع أن الملف موجود… لكنه يتحرك ببطء، دون اختراقات حقيقية.

الإجراءات ليست مشكلة… بل جزء من الحل

الحديث عن “التعقيدات الإجرائية” مفهوم سياسياً، لأن الإجراءات أحياناً تكون طويلة ومعقدة.

لكن في الحقيقة، هذه الإجراءات ليست عائقاً فقط، بل هي أيضاً:

  • ضمانة للعدالة
  • حماية للحقوق
  • وسقف قانوني يمنع التعسف

المشكلة ليست في وجود الإجراءات، بل في بطئها وتعددها وصعوبة تنسيقها بين الدول.

لذلك، المطلوب ليس تجاوزها، بل:

  • تسريعها
  • تبسيطها
  • وتوحيدها قدر الإمكان بين الأنظمة القانونية

القضية عادلة… لكن الطريق معقد

لا أحد يناقش أن تونس تملك حقاً مشروعاً في استرجاع أموالها المنهوبة، وهذا حق قانوني وأخلاقي لا خلاف عليه.

لكن في عالم العلاقات الدولية، العدالة وحدها لا تكفي.

فكما يقول منطق السياسة الواقعية:
لا يكفي أن تكون قضيتك عادلة لتكسبها، بل عليك أن تبحث عن محامين جيدين داخل النظام الدولي، يعرفون كيف تُدار الملفات بصبر، وبقوة، وباستراتيجية واضحة، بعيداً عن الخطابات وحدها.

وبين العدالة والكلام، تظل المسافة قائمة… إلى أن تتحول النوايا إلى نتائج، والملفات إلى أموال عائدة فعلياً إلى أصحابها.