يمر قطاع العقارات في تونس بمفارقة اقتصادية حادة وغير مسبوقة؛ حيث تستمر أسعار الشقق والأراضي في تسجيل قفزات متتالية، مقابل تراجع حاد في وتيرة الشراء وإقبال المواطنين. هذا « الركود التضخمي » بات يؤرق المطورين العقاريين الذين يواجهون كلفة إنتاج باهظة، وفي المقابل يضع المواطن التونسي أمام حلم سكن يبتعد يوماً بعد يوم.
أرقام قياسية ومساحات تتقلص
تكشف أحدث المؤشرات الإحصائية لسوق العقارات في تونس عن ارتفاع عام في أسعار العقارات المعدة للبيع بنسبة بلغت 7%، في حين لم يسلم قطاع الإيجار من هذه موجة، إذ قفزت معاليم الكراء بنسبة 7.5%.
هذا الارتفاع جعل أسعار الشقق في الضواحي الراقية للعاصمة، مثل « المرسى » و »حدائق قرطاج »، تحلق عالياً لتتراوح بين 4,700 و5,400 دينار للمتر المربع الواحد، بينما استقر المعدل العام في تونس العاصمة عند حدود 3,691 دينار للمتر المربع.
وأأمام هذا المعطى الصادم وتدهور المقدرة الشرائية، فرض السوق سلوكاً جديداً على العائلات التونسية؛ حيث لم يعد المشتري يبحث عن الشقة بناءً على مساحتها أو الرفاهية التي تقدمها، بل أصبح يحدد خياره بدقة وفقاً لـ « الميزانية المتوفرة » فقط . وتزامن هذا التحول مع توجه المطورين العقاريين نحو تقليص المساحات الإجمالية للشقق الجديدة لتتماشى مع القدرة المالية المحدودة للمواطنين وتفادي كساد المشاريع .
حي الغزالة.. طفرة استثنائية خارج السرب
وفي المقابل، تؤكد المؤشرات أن الأزمة لم تمنع بعض المناطق من تحقيق طفرة عقارية استثنائية؛ حيث برز « حي الغزالة » بولاية أريانة كأحد أكثر الأحياء طلباً ونمواً في تونس الكبرى . وسجلت المنطقة ارتفاعاً قياسياً في الأسعار بنسبة بلغت 19%، مدفوعة بموقعها الاستراتيجي القريب من القطب التكنولوجي والمؤسسات الجامعية .
وفي جولة داخل بورصة الأسعار بحي الغزالة، يتراوح متوسط سعر المتر المربع للشقق الجديدة (فاخر) بين 2,900 و3,500 دينار . وفي ظل الغلاء، انتعش سوق الشقق القديمة كبديل اقتصادي بأسعار تتراوح بين 2,378 و2,778 دينار للمتر المربع . أما الراغبون في الفيلات المستقلة، فتتراوح الخيارات المعروضة أمامهم بين 420,000 وأكثر من 800,000 دينار، وسط شح نسبي في الأراضي المعدة للبناء والتي استقر متوسط سعر المتر المربع فيها عند 950 دينار .
كلفة البناء وتشديد القروض: ثنائية خانقة
يرجع المهنيون والباعثون العقاريون هذا التضخم العام في الأسعار إلى عوامل هيكلية؛ أبرزها الارتفاع المشط في أسعار المواد الأولية كالحديد والإسمنت، يضاف إليها الأداء على القيمة المضافة المفروض على العقارات.
وفي الجهة المقابلة، يجد المواطن نفسه عاجزاً عن التمويل؛ إذ إن البنوك التونسية رفعت من درجات التشدد في منح القروض السكنية، تزامناً مع ارتفاع نسب الفائدة المديرة، مما جعل شروط توفير « التمويل الذاتي » عقبة تعجيزية أمام الطبقة الوسطى.
في محاولة لكسر هذا الجمود وضخ دماء جديدة في الشرايين الاقتصادية، تتجه الدولة التونسية نحو حلول تشريعية وهيكلية؛ أبرزها مراجعة القوانين المنظمة لتملك الأجانب لتبسيط الإجراءات وجذب الاستثمارات الخارجية، إلى جانب التقدم الفعلي في تسوية وضعية آلاف العقارات التي كانت مجمدة.
وعلى مستوى السكن الاجتماعي والبديل، انطلقت الدولة في مشاريع كبرى مثل مشروع « العقبة 2 » بـمنوبة، والذي يهدف إلى استيعاب نحو 20 ألف ساكن ضمن وحدات حديثة وصديقة للبيئة. كما بدأت الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية (سنيت) في تفعيل برامج « الكراء المُمَلّك » (مثل مشروع المرناقية)، مع التوجه نحو إطلاق منصات رقمية لتسهيل تسجيل المواطنين وتوجيه الدعم لمستحقيه .
يبقى قطاع العقارات في تونس يبحث عن حبل نجاة؛ توازنٌ مفقود بين كلفة إنتاج مرتفعة للمطور، وجيب مثقل بالأعباء للمواطن، في انتظار ما ستسفر عنه الإصلاحات الجبائية والتشريعية القادمة.



