رغم أن الشباب كانوا من أبرز القوى المحركة للثورات التي شهدتها تونس وليبيا ولبنان، فإن أوضاعهم لم تشهد تحسنًا كبيرًا منذ ذلك الحين، وفق ما خلص إليه كتاب جديد أصدره اليوم المركز الدولي للعدالة الانتقالية.
ويشير المركز إلى أن ارتفاع معدلات البطالة، ومحدودية الفرص الاقتصادية، والإقصاء من مسارات المشاركة السياسية، إلى جانب الاضطرابات السياسية والنزاعات، دفعت أعدادًا من الشباب إلى مغادرة بلدانهم بحثًا عن مستقبل أفضل.
ويحمل الكتاب الجديد عنوان «ما وراء البحار: أصوات شباب مهاجرين من لبنان وليبيا وتونس»، ويضم شهادات وتجارب شخصية لـ18 شابًا وشابة من البلدان الثلاثة، أو يقيمون فيها حاليًا، اختاروا مغادرة بلدانهم الأصلية لأسباب سياسية أو اقتصادية واجتماعية.
ويأتي إصدار الكتاب ثمرة مسابقة للكتابة نظمها المركز في سبتمبر 2023، ودعا خلالها شبابًا من المنطقة إلى مشاركة تجاربهم الشخصية مع الهجرة من خلال شهادات مكتوبة قصيرة.
شهادات تكشف أزمة اقتصادية واجتماعية
وقالت نور البجاني، رئيسة برامج المركز في لبنان واليمن، إن هذه الشهادات «تكشف المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الهيكلية وأوجه عدم المساواة» في البلدان الثلاثة.
وأضافت أن هذه القصص تمثل «تذكيرًا صارخًا» بضرورة أن تتجه المجتمعات إلى تنفيذ إصلاحات فعلية وشاملة تتيح للشباب فرصًا حقيقية لبناء مستقبل يحفظ كرامتهم داخل بلدانهم.
ويراهن الكتاب، من خلال سرد التجارب الشخصية، على تعزيز فهم الخيارات الصعبة التي يواجهها الشباب عندما يقررون الهجرة، وإثارة قدر أكبر من التعاطف مع دوافعهم والظروف التي تحيط بقرار الرحيل.
وتلقي الشهادات الضوء على مجموعة واسعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والعاطفية التي يواجهها الشباب قبل الهجرة وبعدها، كما تتناول تأثير قرار المغادرة على عائلاتهم ومجتمعاتهم.
الهجرة ليست مجرد قرار فردي
وترى سلمى القنطري، الخبيرة الأولى بالمركز الدولي للعدالة الانتقالية والمشرفة على المشروع، أن هذه الشهادات تقدم «مجموعة واسعة من الإصلاحات الممكنة» التي من شأنها أن تساعد المنطقة على الاستفادة الكاملة من طاقات شبابها وكفاءاتهم.
وأضافت أن هذه الشهادات يمكن أن تفتح أمام الشباب «نافذة على فرص سياسية واقتصادية قيّمة»، معتبرة في الوقت نفسه أنها تمثل شكلًا مهمًا من أشكال التوثيق الذي يمكن أن يمهّد الطريق أمام إجراءات لمنع تكرار الانتهاكات، إلى جانب جهود تخليد الذاكرة.
الفن والذاكرة في مواجهة آثار القمع والعنف السياسي
ويُقدَّم الكتاب هذا الأسبوع خلال مؤتمر دولي تستضيفه مدينة إسطنبول التركية، وتنظمه كل من سلمى القنطري ونور البجاني.
ويركز المؤتمر على الدور التحويلي للفن في النضال من أجل العدالة وحقوق الضحايا وبناء سردية مجتمعية أكثر شمولًا، بمشاركة قيادات وخبراء في مجال العدالة إلى جانب فنانين وناشطين وشباب، ضمن سلسلة من جلسات النقاش وورش العمل.
وأكدت القنطري أن الفن وسرد القصص يمكن أن يؤديا دورًا حيويًا في انتقال المجتمعات نحو السلام والديمقراطية، معتبرة أنهما قادران على لعب أدوار متعددة، من بينها تسهيل الحوار وبناء الجسور وحفظ الذاكرة الجماعية، خصوصًا في أعقاب فترات العنف السياسي أو القمع.
ويعيد الكتاب بذلك طرح سؤال الهجرة من زاوية مختلفة، لا باعتبارها مجرد حركة بحثًا عن العمل أو تحسين الدخل، وإنما باعتبارها في كثير من الحالات نتيجة لتراكم أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية تدفع الشباب إلى البحث خارج بلدانهم عن الفرص التي لم يجدواها في الداخل.


