يصعب على المتابع لتحركات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، خلال الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ألا يلاحظ الحضور اللافت للملف الليبي في لقاءاته واتصالاته.
الجزائر كانت حاضرة، والمغرب كان حاضرًا، وليبيا كانت في قلب المحادثات، وكذلك تركيا ومصر ودول عربية وأوروبية أخرى.
لكن تونس، رغم موقعها الجغرافي ودورها المتواصل في الملف الليبي، لا تظهر في قائمة اللقاءات العلنية التي أجراها بولس في نيويورك، وبالأخص لا يظهر لقاء مع وزير الخارجية محمد علي النفطي.
المسألة لا تتعلق بمجرد صورة بروتوكولية أو لقاء عابر على هامش اجتماعات الأمم المتحدة. فالرجل الذي اختارته إدارة ترامب ليكون أحد أبرز قنواتها في الملفات العربية والإفريقية، جعل من ليبيا خلال الأيام الأخيرة محورًا أساسيًا لتحركاته.
في 11 سبتمبر، التقى بولس في نيويورك نائبة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية روزماري ديكارلو، وكان الملف الليبي ضمن الملفات التي تم بحثها.
وفي 13 سبتمبر انتقل إلى الجزائر، حيث استقبله الرئيس عبد المجيد تبون، كما التقى وزير الخارجية أحمد عطاف وعددًا من المسؤولين الجزائريين.
ثم عاد إلى نيويورك، حيث التقى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، والتقى كذلك مسؤولين ليبيين، من بينهم المكلف بتسيير وزارة الخارجية والتعاون الدولي الطاهر الباعور ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي.
كما عقد لقاءات مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ومسؤولين عرب وأوروبيين، وكان الوضع في ليبيا حاضرًا في جانب مهم من هذه المحادثات.
وفي 24 سبتمبر، شارك بولس في اجتماع دولي حول دعم السلام والوحدة والازدهار في ليبيا، وشارك فيه، إلى جانب الولايات المتحدة وتركيا والأمم المتحدة وإيطاليا، ممثلون عن ألمانيا وفرنسا ومصر وقطر والسعودية والإمارات والمملكة المتحدة. كما شاركت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا..
وفي اليوم الموالي، التقى مجددًا أحمد عطاف في نيويورك، ثم التقى الأمين العام لجامعة الدول العربية، وكانت ليبيا والسودان من بين الملفات المطروحة.
كل ذلك يحدث في وقت تبدو فيه تونس غائبة عن هذه الدائرة من الاتصالات.
وهنا يبدأ السؤال.
أين تونس من كل هذا؟
لا أحد يمكنه أن ينكر أن الجزائر دولة أساسية في الملف الليبي، وأن للمغرب علاقاته وامتداداته في المنطقة، وأن مصر وتركيا ودولًا أخرى تمتلك أوراقًا وتأثيرًا في الأزمة الليبية.
لكن تونس أيضًا ليست دولة هامشية في هذا الملف.
هي الدولة الأقرب جغرافيًا إلى غرب ليبيا، وتشترك مع ليبيا في حدود طويلة وحركة بشرية واقتصادية كبيرة، كما أن أي اضطراب في ليبيا ينعكس بصورة مباشرة على أمنها واقتصادها ومجتمعها.
وفوق ذلك، فإن تونس لم تكتفِ خلال السنوات الماضية بمراقبة التطورات الليبية من بعيد.
فهي احتضنت جولات عديدة من الحوار الليبي، وكانت ولا تزال إحدى المنصات التي تجتمع فيها أطراف ليبية مختلفة.
وفي 20 أغسطس الماضي، احتضنت تونس اجتماعًا مهمًا لمجموعة «4+4»، التي تضم أربعة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية وأربعة عن القيادة العامة لقوات الشرق.
وخلال ذلك الاجتماع، جرى التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق تتعلق بالانتخابات وتوحيد السلطة التنفيذية.
وبعد شهر تقريبًا، وتحديدًا في 20 سبتمبر، عاد أعضاء المجموعة إلى تونس لعقد اجتماع متابعة، وهو الاجتماع التاسع للمجموعة والأول بعد الاتفاق الموقع في طرابلس يوم 30 أغسطس.
أي أن تونس كانت، قبل أيام قليلة فقط من اجتماعات نيويورك، تحتضن أحد مسارات الحوار المباشر بين الليبيين.
ومن هنا تبدو المفارقة أكثر وضوحًا.
بولس يتحرك في نيويورك بين العواصم والأطراف المعنية بالملف الليبي، بينما الدولة التي تستضيف على أراضيها جانبًا من الحوار الليبي لا يظهر وزير خارجيتها في أجندة اللقاءات المعلنة.
والأمريكيون يعرفون جيدًا الدور التونسي
الأمر لا يتعلق أيضًا بدولة مجهولة بالنسبة إلى الإدارة الأمريكية.
فمسعد بولس نفسه كان قد زار تونس في يناير 2026، والتقى وزير الخارجية محمد علي النفطي.
وفي ذلك اللقاء كان الملف الليبي حاضرًا بقوة، كما جرى الحديث عن دعم الحل السياسي الليبي-الليبي وعن آلية التشاور الثلاثية التي تجمع تونس والجزائر ومصر.
أي أن واشنطن كانت تدرك جيدًا أهمية تونس في هذا المسار.
والأهم أن العلاقة بين البلدين لم تتوقف عند الملف السياسي.
ففي سبتمبر الجاري، احتضنت تونس تمرين «فينيكس إكسبريس 2026» بمشاركة الولايات المتحدة وعدد من الدول، في مؤشر آخر على استمرار التعاون العسكري والأمني بين البلدين.
كما أن الاتصالات الأمريكية التونسية خلال الفترة الأخيرة لم تنقطع في عدد من الملفات.
لذلك سيكون من السهل، وربما من المتسرع، تحويل غياب لقاء النفطي وبولس إلى دليل على وجود قطيعة أو أزمة في العلاقات التونسية الأمريكية.
الأمر ببساطة يحتاج إلى مزيد من المعطيات.
هل تغيرت الأولويات الأمريكية؟
السؤال الحقيقي ربما ليس: لماذا لم يلتق بولس النفطي؟
بل: هل تغيرت طريقة واشنطن في إدارة ملف شمال إفريقيا؟
تحركات بولس الأخيرة توحي بأن الولايات المتحدة تتحرك وفق شبكة واسعة من الاتصالات الإقليمية، وأن ليبيا أصبحت مرة أخرى ملفًا يحتاج إلى تنسيق مباشر مع الدول المؤثرة فيه.
الجزائر موجودة.
مصر موجودة.
تركيا موجودة.
المغرب حاضر.
الأطراف الليبية حاضرة.
والأمم المتحدة حاضرة.
فلماذا لا تظهر تونس في هذه الصورة؟
قد يكون الأمر مجرد مسألة تتعلق بجدول الأعمال والوقت وترتيبات الوفود.
وقد تكون هناك اتصالات لم يعلن عنها.
وقد يكون اللقاء الذي كان مرتقبًا بين النفطي وبولس قد تعذر لأسباب بروتوكولية أو تنظيمية.
ولا توجد، إلى حد الآن، معطيات علنية تسمح بالجزم بأن قرارًا سياسيًا أمريكيًا اتخذ لإبعاد تونس عن هذا المسار.
لكن في السياسة الخارجية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملف بحجم ليبيا، فإن الغياب نفسه يمكن أن يطرح أسئلة.
ماذا عن لقاء النفطي الذي كان مرتقبًا؟
كانت «تونس تيليغراف» قد نشرت معلومات حول لقاء مرتقب بين وزير الخارجية محمد علي النفطي ومسعد بولس على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
غير أن اللقاء لم يظهر بعد ذلك ضمن اللقاءات المعلنة التي أمكن التثبت منها.
وتتحدث بعض الأوساط عن تغيير في الموعد قبل أن لا يتم اللقاء نهائيًا.
هذه المعلومة، في غياب تأكيد رسمي من الطرفين، تبقى في إطار ما يتم تداوله دبلوماسيًا ولا يمكن تقديمها كحقيقة نهائية.
لكنها تطرح سؤالًا إضافيًا: هل كان عدم انعقاد اللقاء مجرد نتيجة لارتباك في برنامج بولس، أم أن هناك سببًا سياسيًا وراءه؟
لا جواب واضحًا إلى الآن.
قيس سعيد.. هل بدأ الأمر منذ ذلك اللقاء؟
هناك من سيعود حتمًا إلى اللقاء الذي جمع مسعد بولس بالرئيس قيس سعيد في قصر قرطاج في يوليو 2025.
كان ذلك اللقاء مختلفًا عن كثير من اللقاءات الدبلوماسية التقليدية.
الرئيس قيس سعيد تحدث أمام المسؤول الأمريكي بشكل مباشر عن القضية الفلسطينية، وعن الحرب في غزة، وقدم له صورًا لأطفال فلسطينيين.
بولس قال بعد اللقاء إن المحادثات كانت بناءة، وإنها تناولت العلاقات التونسية الأمريكية والملفات الإقليمية.
ولا توجد وثيقة أو تصريح رسمي يربط بين ذلك اللقاء وبين طبيعة التواصل الحالي بين واشنطن وتونس.
لذلك لا يمكن القول إن لقاء قرطاج كان سببًا في تغير الموقف الأمريكي.
لكن من حق المتابع أن يضع الأحداث في سياقها الزمني، وأن يتساءل عما إذا كانت الاختلافات في بعض الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، قد أثرت لاحقًا على طبيعة الحوار السياسي بين الجانبين.
ويبقى ذلك سؤالًا لا أكثر، إلى أن تظهر معطيات رسمية أو دبلوماسية تسمح بالإجابة عنه.
تونس.. الدولة التي لم تنخرط في الصراع الليبي
هناك نقطة أخرى لا ينبغي إغفالها.
تونس، بخلاف عدد من الدول الإقليمية، حافظت طوال سنوات الأزمة الليبية على خطاب يقوم على دعم الحوار بين الليبيين وعدم الانحياز إلى طرف عسكري ضد آخر.
ورغم تغير الحكومات وتبدل موازين القوى في ليبيا، بقيت تونس تستقبل مختلف الأطراف وتوفر مساحة للحوار.
وهذا الدور لا يمنح تونس حقًا تلقائيًا في كل لقاء دبلوماسي، لكنه يجعل غيابها عن بعض الاتصالات المتعلقة بمستقبل ليبيا أمرًا يستحق المتابعة.
خصوصًا أن تونس لا تتعامل مع ليبيا باعتبارها ملفًا خارجيًا فقط.
ليبيا بالنسبة إلى تونس جار مباشر.
أمنها يؤثر على أمن تونس، واقتصادها يرتبط بحركة التجارة والطاقة والعمالة، وأي انفراج في الأزمة الليبية ستكون له انعكاسات مباشرة على المناطق الحدودية والاقتصاد التونسي.
ولهذا فإن السؤال الذي يطرح اليوم ليس ما إذا كانت تونس تريد أن تكون لاعبًا في ليبيا، بل لماذا لا تبدو حاضرة بالقدر نفسه في بعض الاتصالات الأمريكية الجديدة حول هذا الملف.
العلاقات الأمريكية التونسية.. صورة أكثر تعقيدًا
وفي كل الأحوال، من الخطأ اختزال العلاقات التونسية الأمريكية في لقاء واحد لم يحدث أو في اجتماع لم يتم الإعلان عنه.
العلاقات بين البلدين شهدت خلال الأشهر الماضية تعاونًا في ملفات عديدة، من الأمن والدفاع إلى القضاء والتدريب والتعاون الاقتصادي.
بل إن النشاط العسكري الأمريكي في تونس خلال سبتمبر يؤكد أن قنوات التعاون لم تتوقف.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس بالضرورة سؤال قطيعة.
ربما هو سؤال ترتيب أولويات.
هل أعادت واشنطن ترتيب مقاربتها لشمال إفريقيا؟
هل أصبحت الجزائر والمغرب ومصر وتركيا، كل لأسباب مختلفة، أكثر حضورًا في الحسابات الأمريكية المرتبطة بليبيا؟
وهل ما زالت تونس تحتفظ بالمكانة نفسها التي كانت لها في هذا الملف؟
ثم هناك سؤال أكثر تحديدًا:
إذا كانت تونس تحتضن اجتماعات «4+4»، وتستضيف حوارات بين ممثلي الشرق والغرب الليبي، وتدعم الحل الليبي-الليبي، فلماذا لا يكون وزير خارجيتها حاضرًا في دائرة المشاورات الأمريكية حول مستقبل ليبيا؟
حتى الآن لا توجد إجابة رسمية.
وربما يكون من المفيد أن تأتي الإجابة من واشنطن أو تونس، لأن المسألة لا تتعلق بمجاملة دبلوماسية ولا بصورة مشتركة على هامش الجمعية العامة.
إنها تتعلق بملف يقع على الحدود التونسية مباشرة، وتلعب فيه تونس منذ سنوات دور الدولة المجاورة التي اختارت الحوار بدل الاصطفاف.
أما ما إذا كان غياب لقاء النفطي عن أجندة بولس يعكس تغيرًا حقيقيًا في السياسة الأمريكية تجاه تونس، فذلك يحتاج إلى أكثر من قراءة برنامج لقاءات نيويورك.
لكن المؤكد أن الأسئلة بدأت تطرح نفسها، خصوصًا عندما يكون الشخص الذي يغيب عن الصورة هو وزير خارجية دولة تحتضن، على أرضها، جزءًا مهمًا من الحوار الذي يبحث فيه مستشار الرئيس الأمريكي عن مستقبل ليبيا.
