لا تبدو الأزمة التي يعيشها الميناء العتيق بغار الملح مجرد مسألة نفايات أو مشهد عابر، بل تكشف عن وضعية أعمق تهدد أحد أبرز المعالم التاريخية التي تختزن جزءًا مهمًا من ذاكرة المدينة وسحرها المعماري.
فهذا الميناء، الذي يعود إلى القرن السابع عشر، يمثل شاهدًا على تاريخ بحري عريق، وكان لقرون فضاءً استراتيجيًا للملاحة وصناعة السفن. غير أن هذا المعلم التاريخي، الذي يُعد من أهم عناصر جاذبية الموقع، يواجه اليوم خطر التدهور وفقدان ملامحه الأصلية.
وقد أثارت عملية نظافة قامت بها البلدية خلال الأيام الأخيرة في المدينة ومحيطها موجة من الانتقادات، بعد أن تم، وفق شهادات متداولة، جمع كميات من الفضلات من مختلف الأنواع ووضعها قرب مدخل الميناء العتيق، وهو موقع يعتبره أبناء المنطقة جزءًا من تراثهم وذاكرتهم الجماعية.
ويرى منتقدون أن تحويل محيط معلم تاريخي إلى فضاء لتجميع النفايات يمثل إساءة لقيمة المكان بدل تثمينه.

لكن مشكلة الميناء لا تختزل في هذا المشهد فقط، إذ يعاني منذ سنوات من مظاهر إهمال متراكمة أثرت على طابعه المعماري. فقد شوهت بناية مهجورة ومتداعية تتوسط الميناء صورته العامة، وهي من مخلفات الفترة الاستعمارية، وأصبحت عنصرًا مشوهًا داخل فضاء كان يفترض أن يحظى بالحماية والترميم.
كما تعيش الترسانة القديمة للميناء وضعية متدهورة، بعد أن فقدت جزءًا من وظيفتها التاريخية وأصبحت تستغل من قبل أنشطة مهنية مختلفة، في حين تتواصل معاناة الأقواس التاريخية التي تعد من أبرز السمات الجمالية للميناء، حيث تضررت أجزاء منها وأصبحت مهددة بمزيد من الانهيار.

ويؤكد مهتمون بالتراث أن إنقاذ ميناء غار الملح العتيق لا يحتاج إلى حلول ظرفية فقط، بل إلى مشروع متكامل يهدف إلى ترميم مكوناته المعمارية، وإعادة الاعتبار لوظيفته الثقافية والسياحية، وتحويله إلى فضاء يحافظ على تاريخ المدينة بدل أن يكون شاهدًا على الإهمال.
لمحة تاريخية
أسس الميناء القديم عام 1638 بدفع من القبطان القرصان وداي تونس، أوسطى مراد، وظل لفترة طويلة ميناءً لأول قاعدة عسكرية في تونس. ثم تم هجره عام 1818، وبُذلت محاولة تجديد غير ناجحة عام 1838. بعد ذلك، أصبح الميناء ميناء صيد مهمًا في المنطقة. وفي عام 1975، أدى بناء ميناء جديد، ينفتح مباشرة على البحر، إلى إحالة الميناء القديم تدريجيًا إلى الصيد التقليدي في مياه البحيرة (اللاغون).
تأسست الترسانة بناءً على أوامر مراد باي الثالث في نهاية القرن السابع عشر. وهي تتكون من 17 رواقاً مقبباً بعقد برميلي تعمل كمخازن للسفن الحربية. وكان حوض بناء السفن مجهزًا آنذاك بمصلى وسجنين للعبيد.
إلى الشرق ترتفع ورش عمل المكلفتين (مصلحي السفن)، والنجارين، والحدادين، ومصنعي الأسلحة. وقد تم هجره شيئاً فشيئاً حتى أصبح ركاماً من الأنقاض عام 1984. ومع ذلك، سمحت أعمال الترميم بإصلاح جميع الأروقة، وجزء من الأقواس، وتدعيم الواجهة وزخرفتها المستوحاة من الفن الأناضولي في ذلك العصر. تعود الحصون الثلاثة جميعها إلى العصر العثماني، حيث يعود تاريخ بنائها إلى حوالي عام 1650. وتاريخياً، كانت تستخدم كسجون للعبيد الذين أسرهم القراصنة أثناء الهجمات في البحر.
بدفع من المهندسين الموريسكيين، اعتمدت تحصينات القرن السابع عشر تقنية « البناء المجوف » التي تظهر كخاصية رئيسية لهذه المدرسة الجديدة. وتعد حصون غار الملح من بين أعمالهم. الحصن الأول، الواقع عند مدخل المدينة والمشيد عام 1659 بأمر من حمودة باشا باي، يسميه السكان « برج اللزاريت ». وهو محاط من جميع الجهات بخندق واسع. وقد استُخدم طوال القرن التاسع عشر كمكان للحجر الصحي. الحصن الثاني أو « برج الوسطاني »، الذي اكتمل بناؤه عام 1640 تحت إشراف المهندس الأندلسي الحاج موسى جاميرو الأندلسي الغرناطي، استُخدم كسجن، ثم كمعهد ثانوية، ثم كمكان للسكن. الحصن الثالث أو « برج اللوطاني »، الذي اكتمل بناؤه عام 1659، يطل على الميناء القديم. وقد استُخدم كثكنة عسكرية وكسجن.
خضعت هذه القلاع الثلاث لتحولات وتدهور كبير في أعقاب تحويلها إلى سجن مدني (الكراكة)، وربما كان ذلك منذ عام 1881، وهو تاريخ بدء الحماية الفرنسية في تونس. وفي عام 1922، صُنفت الحصون الثلاثة كمعالم تاريخية. وفي عام 1964، توقفت عن كونها سجوناً وتم إخلاؤها. وقامت الحكومة التونسية، ابتداءً من عام 1990، ببرنامج واسع لترميم هذه المعالم وتثمينها.

في 25 أفريل 2013، تم افتتاح أول مركز وطني للمناطق الرطبة، يحمل اسم « دار البحيرة » والمهيأ داخل برج اللوطاني. ويتكون المتحف من قاعتي عرض كبيرتين: الأولى تقدم للزوار معلومات مختلفة حول تنوع المناطق الرطبة التونسية بشكل عام. أما القاعة الثانية، فهي تعرض معلومات حول بحيرة غار الملح.
وبين قيمة تاريخية تعود إلى قرون ومشهد حالي يثير الحسرة، يبقى السؤال مطروحًا: هل تجد هذه التحفة البحرية مشروع إنقاذ يعيد إليها بريقها، أم تواصل فقدان ملامحها أمام أعين الجميع؟


