تشير مصادر مطلعة إلى أن التحوير الحكومي المرتقب قد يشكل نقطة تحول في إدارة ملف الدبلوماسية التونسية، عبر إطلاق مراجعة شاملة للتسميات داخل وزارة الشؤون الخارجية، سواء في الداخل أو في الخارج.
وبحسب نفس المصادر، فإن هذه المراجعة قد تشمل إنهاء مهام عدد من السفراء والقناصل، خاصة في العواصم الكبرى مثل باريس، برلين، بروكسال، طوكيو، فيينا، أوتاوا وبكين، وهي مراكز تعتبر أساسية في شبكة العلاقات الدولية لتونس.
وتضيف المعطيات أن ضعف المردود في عدد من هذه البعثات خلال السنوات الأخيرة أثار تحفظات على الأداء، ما ساهم في تأجيل الحسم في الحركة الدبلوماسية، في ظل عدم الاقتناع الكامل ببعض مخرجات حركة 2023.
كما يُرجّح أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تقييم شاملة، لا تقتصر على سد الشغورات، بل تشمل إعادة توزيع الأدوار وتقييم أداء البعثات القائمة.
تواجه الدبلوماسية التونسية منذ أشهر وضعية غير مسبوقة على مستوى التمثيلية الخارجية، مع استمرار شغور عدد من السفارات والممثليات الدبلوماسية والقنصلية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز حضور تونس في العواصم المؤثرة والمنظمات الدولية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
ورغم الحركة الدبلوماسية التي انطلقت منذ صيف 2023 وتواصلت خلال سنة 2024، وشملت تعيين عدد من السفراء الجدد، فإن عدداً من البعثات التونسية بالخارج ما تزال دون رؤساء، حيث تشير معطيات متطابقة إلى أن حوالي 29 سفارة تونسية ما تزال في انتظار تعيينات جديدة.
حركة بدأت في 2023 وتواصلت في 2024
شهد المسار الدبلوماسي التونسي بداية إعادة هيكلة تدريجية منذ صيف 2023، قبل أن تتعزز في جانفي 2024 مع تسليم عدد من السفراء الجدد أوراق اعتمادهم في قصر قرطاج.
ومن أبرز التعيينات التي تمت خلال هذه المرحلة:
ضياء خالد سفيراً لدى فرنسا،
زهير بوراس سفيراً لدى مالطا،
توفيق الشابي سفيراً لدى بولونيا،
محرز الفرشيشي سفيراً لدى جمهورية الكونغو الديمقراطية،
سامية إلهام عمار سفيرة لدى النمسا،
نبيل الأكحل سفيراً لدى البرازيل،
مراد بورحلة سفيراً لدى إيطاليا،
أحمد شفرة سفيراً لدى اليابان،
محسن العنتيت سفيراً لدى نيجيريا،
الأسعد بوطارة سفيراً لدى كندا،
إلى جانب تعيين سامي نقة سفيراً لدى رومانيا وزياد السعداوي سفيراً لدى الكوت ديفوار.
غير أن هذه التعيينات لم تُنهِ ملف الشغورات، إذ بقيت عواصم ومواقع دبلوماسية حساسة دون تمثيل على مستوى السفراء.
برن وموسكو ومفاتيح الدبلوماسية متعددة الأطراف
من بين أبرز المواقع التي طالها الشغور، سفارتا تونس في موسكو وبرن، وهما موقعان يحظيان بأهمية استراتيجية خاصة.
فالسفارة في برن لا تقتصر على العلاقات الثنائية مع سويسرا، بل ترتبط بملفات اقتصادية ومالية حساسة، في مقدمتها التعاون في مجال استرجاع الأموال المنهوبة، إلى جانب علاقات تونس مع المؤسسات المالية الدولية.
كما أن البعد المتعدد الأطراف في سويسرا يُدار عملياً عبر بعثة تونس في جنيف، حيث تحتضن المدينة عدداً كبيراً من المنظمات الدولية، من بينها الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، ومفوضية حقوق الإنسان، إضافة إلى مؤسسات دولية أخرى.
كما تشمل التمثيليات التونسية في هذا الفضاء ملفات ذات بعد اقتصادي ودبلوماسي مهم، من بينها منتدى دافوس والعلاقات مع الفاتيكان، إلى جانب مختلف آليات التعاون متعدد الأطراف.
إطار زمني جديد للتعيينات منذ 2023
وبحسب معطيات متقاطعة، فإن وزير الشؤون الخارجية الأسبق نبيل عمار كان قد أصدر منشوراً ينص على تحديد مدة التعيين في الخارج بأربع سنوات تشمل السفراء والقناصل والدبلوماسيين، وهو التوجه الذي يُعتقد أن الوزير الحالي يواصل اعتماده.
وبناءً على هذا الإطار، فإن السفراء المعينين منذ 2023 يُفترض أن تستمر مهامهم نظرياً إلى حدود 2027، ما لم تطرأ تغييرات استثنائية أو حركات دبلوماسية جديدة.
قائمة واسعة من السفارات في انتظار الحسم
تشير المعطيات إلى أن الحركة الدبلوماسية المرتقبة قد تشمل عدداً كبيراً من العواصم، من بينها:
موسكو، ستوكهولم، أوسلو، مدريد، روما، براغ، بودابست، لندن، جنيف، برن، الجزائر، طرابلس، بيروت، أبوظبي، الرياض، المنامة، الرباط، بوينس آيرس، برازيليا، واشنطن، ياوندي، أديس أبابا، نواكشوط، باماكو، مسقط، إسلام آباد، نيودلهي والقاهرة.
وتغطي هذه العواصم ملفات متنوعة تشمل الأمن الإقليمي، الطاقة، الاستثمار، الهجرة، والعلاقات مع المنظمات الدولية.
القنصليات تحت ضغط الشغور
ولا يقتصر الوضع على السفارات، إذ تعاني الشبكة القنصلية بدورها من نقص في التسيير، يشمل عدداً من القنصليات من بينها إسطنبول، دبي، وسانت بطرسبرغ، إضافة إلى قنصليات في فرنسا وألمانيا وإيطاليا.
كما تواصل القنصلية العامة لتونس بباريس العمل دون قنصل عام منذ أكثر من سنتين، رغم أهميتها بالنظر إلى حجم الجالية التونسية في فرنسا.
بين التأجيل وإعادة التموضع
وتبدو الدبلوماسية التونسية اليوم أمام مرحلة دقيقة من إعادة التموضع، في ظل تزايد الحاجة إلى حضور خارجي أكثر فاعلية، قادر على دعم الاقتصاد الوطني، وتوسيع الشراكات، والدفاع عن المصالح التونسية في الفضاءات الإقليمية والدولية.
وبين استمرار الشغورات وترقب حركة دبلوماسية واسعة، تتجه الأنظار إلى ما ستفرزه المرحلة المقبلة من تغييرات قد تعيد رسم خريطة الحضور التونسي في الخارج خلال السنوات القادمة.



