الرئيسية أخبار تونس من تذكرة السفر إلى الملف الطبي… لماذا يكشف التونسي كل أسراره على...

من تذكرة السفر إلى الملف الطبي… لماذا يكشف التونسي كل أسراره على الإنترنت؟

0
569
blank

لم تعد صفحات مواقع التواصل الاجتماعي في تونس مجرد فضاءات للتواصل وتبادل الأخبار والصور، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى نوافذ مفتوحة على أدق تفاصيل حياة المواطنين. جولة بسيطة على موقع «فايسبوك» تكشف حجم المعطيات الشخصية التي يختار عدد من التونسيين نشرها علنا، أحيانا دون إدراك للمخاطر التي قد تترتب عن ذلك.

فمن بين المنشورات المتداولة، يمكن العثور على تفاصيل دقيقة حول سفر أشخاص: موعد الرحلة، وجهة السفر، شركة النقل، صورة تذكرة السفر، رقم المقعد، ساعة المغادرة والوصول. معلومات تبدو للبعض مجرد مشاركة عادية مع الأصدقاء، لكنها في عالم حماية البيانات تعتبر معطيات حساسة يمكن استغلالها بطرق مختلفة.

وتأتي هذه الممارسات في وقت تخوض فيه دول عديدة منذ سنوات نقاشات واسعة حول حماية البيانات الشخصية، وصلت إلى حد وضع قيود صارمة على تبادل هذه المعلومات بين المؤسسات والهيئات، حتى عندما يتم ذلك عبر قنوات رسمية ومغلقة، باعتبار أن المعطيات الشخصية أصبحت جزءا من حقوق الإنسان الأساسية.

من الملف الطبي إلى الفضاء العام

ولا يقتصر الأمر على تفاصيل السفر، إذ تشمل ظاهرة نشر المعطيات الشخصية أيضا المجال الصحي، وهو من أكثر المجالات حساسية.

فقد أصبحت بعض الصفحات والمجموعات تنشر أحيانا شهادات طبية تحتوي على أسماء أصحابها، أو صورا لوصفات أدوية تتضمن اسم المريض والعلاج الموصوف وعدد الجرعات، بل إن بعض الحالات تصل إلى نشر معلومات حول أمراض معينة أو صور لأشخاص داخل غرف العمليات، في مشاهد تطرح أسئلة جدية حول احترام الحياة الخاصة وحرمة المعطيات الصحية.

فالبيانات الطبية لا تعتبر مجرد معلومات عادية، بل تصنف عالميا ضمن أكثر أنواع البيانات الشخصية حساسية، لأن كشفها قد يؤدي إلى آثار اجتماعية أو مهنية أو نفسية على أصحابها.

البيع والشراء… عندما يتحول رقم الهاتف والعنوان إلى إعلان عمومي

في صفحات البيع والشراء وتقديم الخدمات، تتكرر الظاهرة بشكل لافت. فبمجرد نشر إعلان حول بيع منتج أو تقديم خدمة، يسارع بعض المستخدمين إلى وضع أرقام هواتفهم وعناوينهم بشكل علني، رغم أن صاحب الإعلان غالبا يوفر وسائل اتصال خاصة أو أرقاما مخصصة للتواصل.

وهنا يتحول الفضاء الرقمي إلى قاعدة بيانات مفتوحة تتضمن معلومات يمكن جمعها واستغلالها من طرف أطراف غير معروفة، سواء لأغراض تجارية أو لأغراض أخرى.

هيئة حماية المعطيات الشخصية… جهود قانونية أمام تحدي الوعي

في تونس، تم إرساء منظومة قانونية ومؤسساتية لحماية المعطيات الشخصية، وتعمل الهيئة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية منذ سنوات على نشر ثقافة حماية البيانات ومراقبة احترام القواعد المنظمة لهذا المجال.

لكن التحدي الأكبر لا يبدو مرتبطا فقط بوجود القوانين أو المؤسسات، بل بمدى وعي المواطن نفسه بقيمة معلوماته الشخصية. فالقانون يمكن أن يضع ضوابط على المؤسسات والإدارات، لكنه يصعب عليه حماية شخص يختار بنفسه نشر معلوماته الخاصة أمام جمهور واسع.

ثقافة رقمية تحتاج إلى مراجعة

تكشف هذه الممارسات عن فجوة بين التطور الكبير في استخدام التونسيين لشبكات التواصل الاجتماعي وبين مستوى الوعي بمخاطر مشاركة البيانات الشخصية.

فالصورة التي ينشرها المستخدم، وتذكرة السفر التي يعرضها، والوصفة الطبية التي يشاركها، ورقم الهاتف الذي يضعه في تعليق عام، كلها أجزاء من هوية رقمية يمكن أن تبقى متداولة لفترات طويلة.

وفي زمن أصبحت فيه البيانات الشخصية موردا ثمينا، فإن حماية الخصوصية لم تعد مسؤولية الدولة والمؤسسات فقط، بل أصبحت أيضا مسؤولية فردية تبدأ من سؤال بسيط قبل الضغط على زر «نشر»: هل هذه المعلومة التي أشاركها يجب فعلا أن تكون متاحة للجميع؟

ماذا يقول علم النفس

يقول علم النفس إن نشر التفاصيل الشخصية بشكل مفرط قد يرتبط أحيانا بالرغبة في الاعتراف الاجتماعي، والحصول على التفاعل والانتماء، أو بالتقليل من تقدير مخاطر كشف المعلومات الخاصة.

كما يشير إلى أن بعض الأشخاص لا يميزون بوضوح بين ما هو شخصي وما هو عام في الفضاء الرقمي، لأن شبكات التواصل خلقت إحساسا زائفا بالقرب والثقة يجعل مشاركة التفاصيل تبدو أمرا طبيعيا رغم آثارها المحتملة.