الرئيسيةأخبار تونسمن يزوّد الجيش التونسي بملابسه العسكرية؟

من يزوّد الجيش التونسي بملابسه العسكرية؟

ليست قصة الزي العسكري في تونس مجرد منافسة بين مصنع تونسي وشركة أجنبية، بل تكشف عن معادلة أكثر تعقيداً تتعلق بالسيادة الصناعية، ودقة المواصفات، والقدرة على توفير حاجيات الجيش في الآجال المحددة.

أثار إعلان وزارة الدفاع الوطني عن استشارة شملت شركات أجنبية مقابل شركة تونسية واحدة لاقتناء بدلات عسكرية ضمن صفقة إطارية، تساؤلات حول أسباب اللجوء إلى الموردين الأجانب، خصوصاً في وقت تتكرر فيه الدعوات إلى دعم الصناعة الوطنية وتشجيع المنتج التونسي.

لكن وزارة الدفاع قدمت توضيحات مهمة تكشف أن الصورة مختلفة عما قد يوحي به الإعلان الأول.

73% من قيمة الصفقات للمزودين المحليين

أكدت وزارة الدفاع الوطني أن حجم صفقات اللباس التي أسندتها إلى المزودين المحليين خلال السنوات الثلاث الأخيرة يمثل 73% من القيمة الجملية للصفقات المبرمة في هذا المجال.

وتقول الوزارة إن اللجوء إلى المزودين الأجانب لا يتم إلا عندما يتعذر تلبية الحاجيات المطلوبة من السوق المحلية.

وهذه النسبة تقدم مؤشراً مهماً على أن المؤسسة العسكرية لم تجعل التوريد من الخارج خيارها الأول، بل حافظت على أولوية واضحة للمنتج المحلي متى توفرت القدرة على الاستجابة للمواصفات والكميات والآجال المطلوبة.

لكن السؤال يبقى: لماذا تجد وزارة الدفاع نفسها أحياناً مضطرة إلى فتح الباب أمام شركات أجنبية؟

منذ 2017.. الوزارة دعت المصنعين التونسيين

وفق البلاغ الرسمي لوزارة الدفاع، فإن سياسة تفضيل المنتجات ذات المنشأ التونسي ليست جديدة.

فالوزارة تؤكد أنها دعت المصنعين التونسيين، في أكثر من مناسبة منذ سنة 2017، إلى المشاركة في صفقات إطارية قابلة للتجديد، كما حثتهم على الاطلاع على المواصفات الفنية المطلوبة حتى يتمكنوا من إعداد خطوط إنتاج ملائمة لحاجيات المؤسسة العسكرية.

أي أن المصنعين المحليين لم يكونوا أمام سوق مغلقة أو طلبات مفاجئة، بل كانت هناك، بحسب الوزارة، محاولة لإعداد القطاع الخاص مسبقاً حتى يكون قادراً على الاستجابة لطلبات الجيش.

غير أن النتيجة لم تكن دائماً في مستوى الانتظارات.

وتقول وزارة الدفاع إن نسب إقبال المصنعين التونسيين على طلبات العروض كانت ضعيفة، كما أن أغلب العروض المقدمة كانت غير مطابقة للمواصفات الفنية التي تم تحديدها بالتعاون مع المركز الفني للنسيج.

المشكلة ليست في «البدلة» فقط

قد يبدو الزي العسكري للوهلة الأولى مجرد قميص وسروال وسترة، لكن الأمر مختلف بالنسبة إلى مؤسسة عسكرية.

فالبدلة العسكرية تخضع لمواصفات دقيقة تتعلق بنوعية النسيج، ومقاومة الاستعمال، والخياطة، والألوان، والتصميم، والمقاسات، وطبيعة الاستخدام، فضلاً عن القدرة على إنتاج كميات محددة في آجال مضبوطة.

وهنا يصبح احترام كراس الشروط جزءاً من عملية التزود العسكري، وليس مجرد مسألة تجارية.

فالجيش لا يستطيع، بحسب منطقه التشغيلي، أن يقبل منتجاً أقل من المواصفات المطلوبة فقط لأنه منتج تونسي.

صفقات محلية تعثرت أيضاً

الوزارة لم تكتف بالإشارة إلى ضعف المشاركة وعدم مطابقة بعض العروض، بل تحدثت كذلك عن تعثر عدد من الصفقات التي أبرمت مع مزودين محليين.

وبحسب البلاغ، لم يتم في بعض الحالات احترام المواصفات والآجال التعاقدية.

وهذه النقطة بالذات تكشف جوهر المشكلة: حتى عندما يتم اختيار مزود تونسي، فإن الفوز بالصفقة لا يعني انتهاء التحدي.

فالجيش يحتاج إلى منتج مطابق، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يصل هذا المنتج في الوقت المحدد وبالكميات المطلوبة.

وأي تأخير في توفير الملابس والتجهيزات يمكن أن يتحول إلى مشكلة حقيقية بالنسبة إلى مؤسسة تضم آلاف العسكريين المنتشرين في مختلف أنحاء البلاد.

الحدود الغربية والجنوبية تفرض شروطاً مختلفة

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بالعسكريين العاملين في ظروف ميدانية ومناخية صعبة، وخاصة في المناطق الحدودية الغربية والجنوبية.

وزارة الدفاع تؤكد أن واجب إكساء العسكريين المنتشرين على الميدان، وخاصة العاملين في ظروف مناخية قاسية، يبقى محمولاً عليها.

وهنا لا تستطيع الوزارة انتظار تطور قدرات مصنع معين أو تأخر صفقة بسبب مشاكل في الإنتاج.

الحاجة العسكرية لها موعد ومواصفات وكمية.

ومن هذا المنطلق، تقول الوزارة إنها مضطرة إلى استشارة كل من تتوفر فيه القدرة على تلبية حاجياتها، بما في ذلك المزودون الأجانب، في إطار الشفافية والقوانين والتراتيب الجاري بها العمل.

الإدارة العامة للّباس والتموين.. لكنها لا تغطي كل الحاجيات

وهنا تبرز أيضاً أهمية التمييز بين وجود إدارة عامة للّباس والتموين داخل وزارة الدفاع وبين الاعتقاد بأنها مصنع قادر على إنتاج كامل حاجيات الجيش.

الإدارة العامة للّباس والتموين تضطلع بمهام متعددة تشمل الإكساء والتجهيز والتموين والطباعة، كما تضم قدرات في التصميم والخياطة وإنتاج بعض أصناف الملابس العسكرية والأزياء الرسمية.

لكن قدراتها الإنتاجية لا تعني أنها قادرة بالضرورة على تغطية كامل احتياجات القوات المسلحة.

ولهذا تعتمد وزارة الدفاع، مثل العديد من المؤسسات العسكرية في العالم، على مزيج من الإنتاج الداخلي والشراء من السوق المحلية والاستعانة بموردين خارجيين عندما تقتضي الحاجة.

زيارة وزير الدفاع تكشف أهمية هذا القطاع

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي إلى الإدارة العامة للّباس والتموين يوم 19 جانفي 2026 أهمية خاصة.

الوزير اطلع خلال الزيارة على مهام الإدارة ودورها في تحقيق حاجيات مختلف هياكل وزارة الدفاع الوطني وتزويدها في مجالات الإكساء والتجهيز والتموين والطباعة.

كما عاين سير العمل في مختلف الورشات ومشاغل التكوين، واطلع على البرامج المستقبلية المتعلقة بتحسين البنية الأساسية والفضاءات المخصصة للخزن.

وتكشف هذه الزيارة أن موضوع الإكساء والتموين لا ينظر إليه داخل المؤسسة العسكرية باعتباره ملفاً إدارياً ثانوياً، بل باعتباره جزءاً من الجاهزية العملياتية.

فالعسكري الموجود في الثكنة أو على الحدود يحتاج إلى لباس وتجهيزات متوفرة في الوقت المناسب، وهو ما يجعل سلسلة التزود والإنتاج والخزن عاملاً أساسياً في الجاهزية.

لماذا لا تنتج تونس كل حاجيات جيشها؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: إذا كانت تونس تمتلك مصنعين وشركات قادرة على إنتاج الملابس العسكرية، فلماذا لا تعتمد وزارة الدفاع حصراً على الإنتاج الوطني؟

الجواب الذي تقدمه الوزارة واضح: القدرة على الإنتاج ليست وحدها المعيار.

المعيار هو القدرة على توفير المنتج المطلوب بالمواصفات الفنية الدقيقة، وفي الآجال المحددة، وبالكميات المطلوبة، وبأفضل الأسعار.

وقد تكون هناك شركة قادرة على صناعة ملابس عسكرية، لكنها غير قادرة على إنتاج كمية كبيرة خلال فترة قصيرة، أو لا تتوفر لديها خطوط إنتاج مطابقة لمواصفات معينة، أو تواجه صعوبات في احترام الآجال.

في هذه الحالة، يصبح اللجوء إلى مورد آخر أمراً منطقياً من وجهة نظر الجهة المستفيدة.

المفارقة: تونس تصنع للآخرين

المفارقة الأكثر إثارة في هذا الملف أن تونس تمتلك بالفعل صناعة نسيج وملابس قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية، بل توجد شركات تونسية لديها خبرة في إنتاج ملابس ذات مواصفات خاصة لفائدة أسواق أجنبية.

وهذا يعني أن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت تونس قادرة على صناعة الزي العسكري.

هي قادرة على ذلك.

السؤال هو ما إذا كانت الصناعة الوطنية قادرة على الانتقال من القدرة على تصنيع المنتج إلى القدرة على ضمان الإمداد العسكري المستمر وفق شروط دقيقة ومواعيد صارمة.

وهنا توجد فرصة حقيقية أمام الصناعيين التونسيين.

الجيش يمكن أن يكون حريفاً استراتيجياً للصناعة التونسية

إذا نجحت الشركات التونسية في تطوير خطوط إنتاج متخصصة في الملابس العسكرية، واحترام المواصفات الفنية، وضمان الكميات والآجال، فإن وزارة الدفاع يمكن أن تصبح حريفاً استراتيجياً لهذه الصناعة.

بل يمكن أن يتحول السوق العسكري المحلي إلى منصة لتطوير منتجات قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

لكن ذلك يتطلب استثمارات في التجهيز والتكنولوجيا، وتطوير الكفاءات، وتحسين مراقبة الجودة، والقدرة على تنفيذ الصفقات الكبيرة دون تأخير.

ومن هذه الزاوية، فإن صرامة وزارة الدفاع في المواصفات يمكن أن تكون، paradoxically، حافزاً لتطوير الصناعة الوطنية وليس عائقاً أمامها.

«تونسي» أولاً.. ولكن ليس بأي ثمن

الرسالة التي خرجت بها وزارة الدفاع من هذا الجدل يمكن تلخيصها في قاعدة بسيطة:

المنتج التونسي له الأولوية، عندما يكون قادراً على تلبية حاجيات الجيش.

والأرقام التي قدمتها الوزارة تدعم هذا التوجه: 73% من قيمة صفقات اللباس خلال السنوات الثلاث الأخيرة ذهبت إلى المزودين المحليين.

أما النسبة المتبقية، فإن اللجوء فيها إلى الأجانب لا يعني بالضرورة تفضيل المنتج الأجنبي، وإنما سد الحاجيات التي لم تستطع السوق المحلية توفيرها بالشروط المطلوبة.

وتشدد الوزارة على أن الفيصل بين جميع أصحاب العروض، تونسيين وأجانب، يبقى واحداً: الالتزام بالشروط والمواصفات، والقدرة على تلبية الحاجيات في الآجال، وبأفضل الأسعار.

ليست معركة ضد الصناعة الوطنية

لذلك فإن قصة الصفقة الجديدة لا ينبغي أن تتحول إلى مواجهة مفتعلة بين «الجيش» و«المصنع التونسي».

الأدق أن نراها باعتبارها اختباراً لقدرة الصناعة الوطنية على تلبية حاجيات مؤسسة شديدة الحساسية للمواصفات والآجال.

وزارة الدفاع تقول إنها فتحت الباب للمصنعين التونسيين منذ سنوات، وإنها خصصت لهم النسبة الأكبر من قيمة صفقاتها في مجال اللباس.

وفي المقابل، تقول إن ضعف المشاركة، وعدم مطابقة بعض العروض، وتعثر تنفيذ بعض الصفقات، دفعها إلى عدم حصر المنافسة في السوق المحلية.

وهنا تصبح الكرة في ملعب الصناعة الوطنية.

فإذا كان المنتج التونسي يريد الفوز بحصة أكبر من سوق الزي العسكري، فإن الطريق ليس عبر المطالبة بالأولوية فقط، وإنما عبر إثبات القدرة على تقديم المنتج الأفضل، بالمواصفات المطلوبة، وفي الموعد المطلوب.

وفي النهاية، فإن السيادة الصناعية لا تعني أن تشتري الدولة من الداخل مهما كانت الظروف، كما لا تعني فتح الباب بلا حدود أمام الأجانب.

السيادة تعني أن تمتلك البلاد القدرة على الاختيار.

والهدف الأهم بالنسبة إلى الجيش هو أن يكون العسكري التونسي، سواء كان في الثكنة أو في أقصى الحدود الغربية والجنوبية، مزوداً بلباس مطابق للمواصفات، متوفر في الوقت المناسب، وبأعلى قدر ممكن من الجودة.

أما من يصنعه، فالمعيار النهائي يجب أن يكون: الكفاءة، الجودة، الالتزام والقدرة على الوفاء بالحاجة.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -

الأكثر شهرة

مواضيع أخرى