تفتح مراسلة وزارة المالية إلى الاتحاد العام التونسي للشغل بشأن تقديم مقترحات حول مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 بابًا سياسيًا واجتماعيًا أوسع من مجرد
.التشاور التقني حول الأرقام والنفقات.
مع العلم وان سبق أن حصل نفس الشيء في مثل هذه الفترة من السنة المنقضية مما دعا المنظمة النقابية ، وقتها ، إلى استنفار هياكلها ومستشاريها للقيام بالمطلوب
فالموضوع، كما أشار الباحث عادل اللطيفي، لا يتعلق فقط بالحكومة أو بشخص وزيرة المالية، بل بتحول أعمق يطال موقع الاتحاد نفسه داخل المعادلة الوطنية، وطبيعة العلاقة الجديدة التي تتشكل بين السلطة والمنظمة الشغيلة بعد سنوات من القطيعة والتوتر.
في هذا السياق، تبدو دعوة الحكومة للاتحاد إلى تقديم مقترحاته حول قانون المالية مؤشراً سياسياً على محاولة إعادة بناء قنوات التواصل مع الفاعل النقابي الأكبر في البلاد، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، وارتفاع كلفة المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم البطالة وهجرة الكفاءات. وهي الملفات التي ركز عليها الأمين العام صلاح الدين السالمي في خطاب عيد العمال، عندما دعا إلى “العمل الجماعي المشترك” وإلى حوار يعيد الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة.
لكن النقاش الحقيقي، وفق كثير من المتابعين، لا يكمن فقط في مضمون المراسلة، بل في توقيتها ودلالاتها السياسية. فبعد مرحلة اتسمت بتوتر العلاقة بين السلطة والاتحاد، وبتراجع منسوب الحوار الاجتماعي، تأتي هذه الخطوة لتطرح سؤالاً مركزياً: هل نحن أمام عودة فعلية للاتحاد إلى قلب صناعة القرار الاقتصادي والاجتماعي؟ أم أن الأمر يظل في حدود التشاور الشكلي المرتبط بمتطلبات الظرف الاقتصادي والالتزامات الدولية؟
هنا تبرز ملاحظة عادل اللطيفي التي تعتبر أن “الموضوع هو الاتحاد في شكله الجديد”. فالاتحاد يعيش منذ سنوات تحولات داخلية عميقة، سواء على مستوى القيادة أو الخطاب أو آليات التفاوض، كما يواجه تحديات مرتبطة بتراجع الثقة الاجتماعية، وصعود الاقتصاد الموازي والمنصات الرقمية، وتغير طبيعة العمل النقابي في عالم يشهد تحولات متسارعة في سوق الشغل. وبالتالي فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا تريد الدولة من الاتحاد؟ بل أيضاً: أي اتحاد تريده الدولة كشريك اجتماعي في المرحلة المقبلة؟
كما أن هذه المراسلة تأتي قبل أشهر من محطة دولية مهمة تتمثل في مؤتمر مؤتمر منظمة العمل الدولية 2026، وهو ما يمنح الملف أبعاداً إضافية تتعلق بصورة تونس الاجتماعية والنقابية في الخارج. فالحوار الاجتماعي وحرية العمل النقابي وحرية الصحافة والحريات العامة أصبحت كلها عناصر تراقبها المؤسسات الدولية والشركاء الاقتصاديون عند تقييم مناخ الاستثمار والاستقرار الاجتماعي في البلاد.
ومن هنا يبرز السؤال الذي طرحه صبري الزغيدي الصحفي بجريدة الشعب لسان حال الاتحاد العام التونسي للشغل : هل سنشهد بعد مؤتمر منظمة العمل الدولية مراسلات مماثلة ومأسسة فعلية للحوار بين الحكومة والاتحاد؟ أم أن المبادرة الحالية ستظل ظرفية مرتبطة بالسياق الدولي والضغوط الاقتصادية؟
الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بعدة عوامل. أولها مدى استعداد الحكومة لتحويل الحوار مع الاتحاد إلى آلية دائمة تشارك في صياغة الخيارات الاقتصادية الكبرى، وليس مجرد استشارة شكلية حول الميزانية. وثانيها قدرة الاتحاد نفسه على تقديم تصورات اقتصادية واجتماعية عملية تتجاوز الخطاب الاحتجاجي التقليدي نحو مقترحات إصلاحية قابلة للتنفيذ. أما العامل الثالث فيتعلق بالسياق الدولي، حيث تزداد الضغوط على الدول لإرساء مناخ قائم على التفاوض الاجتماعي واحترام الحقوق النقابية كشرط للاستقرار الاقتصادي.
وفي كل الأحوال، فإن المراسلة الأخيرة أعادت النقاش حول موقع الاتحاد العام التونسي للشغل داخل الدولة والمجتمع، وفتحت الباب أمام تساؤلات أعمق حول مستقبل الحوار الاجتماعي في تونس، وحدود التوافق الممكن بين السلطة والمنظمات الوطنية في مرحلة تتسم بحساسية اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة.



