أعلنت هيئة التراث السعودية اكتشاف مسجد أثري يعود تاريخه إلى القرن الأول الهجري، أي إلى ما يزيد على 1300 عام، إلى جانب مجموعة من اللقى الأثرية التي تلقي الضوء على جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة خلال العصور الإسلامية المبكرة.
وجاء الاكتشاف ضمن أعمال الموسم الرابع من مشروع التنقيب الأثري في موقع المعمَلة الأثري بمنطقة الباحة، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السعودية «واس» في تقرير نشرته الأحد.
وعُثر على المسجد في الجهة الغربية من الموقع، وسط منطقة سكنية قديمة، وقد شُيّد باستخدام أحجار الغرانيت المشذبة. ويتميز المبنى بتخطيط معماري يجمع بين البساطة والدقة، ولا سيما في تصميم المحراب والمداخل والمئذنة.
وبحسب المعطيات التي أعلنتها هيئة التراث، يبلغ طول المسجد من الشمال إلى الجنوب نحو 16 متراً، فيما يصل عرضه من الشرق إلى الغرب إلى نحو 10 أمتار.
ومن أبرز العناصر التي عُثر عليها داخل المسجد نقوش إسلامية على جدرانه، من بينها نقش يتضمن الصلاة على النبي محمد، وهو ما يمنح الموقع قيمة إضافية في دراسة تطور العمارة والنقوش الإسلامية خلال تلك المرحلة المبكرة.

ولا يقتصر الاكتشاف على المسجد، إذ تحيط به مجموعة من الغرف الحجرية المتلاصقة التي يُعتقد أنها كانت تؤدي وظائف اجتماعية وتجارية مختلفة. كما كشفت أعمال التنقيب عن عناصر معمارية أخرى، بينها مستودعات وأحواض ودعامات، تعكس تقنيات البناء المحلية التي كانت مستخدمة في المنطقة آنذاك.
لقى أثرية تكشف تفاصيل الحياة اليومية
وسجّل الفريق العلمي العامل بالموقع مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها أجزاء من أوانٍ مصنوعة من الحجر الصابوني، وقطع وأوانٍ فخارية بأشكال مختلفة، إضافة إلى أدوات حجرية منحوتة بعناية.
ومن بين هذه الأدوات مساحِن ومدقات وأجزاء من الرحى، وهي أدوات كانت تستخدم في إعداد المواد الغذائية وطحن الحبوب، بما يوفر مؤشرات على طبيعة الأنشطة اليومية والحرفية التي مارسها سكان الموقع.
وتكتسب هذه المكتشفات أهمية خاصة لأنها لا توثق الجانب الديني والمعماري للموقع فحسب، وإنما تساعد أيضاً في إعادة رسم صورة عن الحياة اليومية لسكانه، من خلال الأدوات التي استخدموها والأنشطة التي مارسوها.

موقع ارتبط باستخراج المعادن
ويُعد موقع المعمَلة من المواقع الأثرية المهمة في منطقة الباحة، إذ تشير الشواهد المكتشفة فيه إلى ارتباطه بأنشطة استخراج ومعالجة الخامات المعدنية، بما في ذلك الذهب والفضة والنحاس.
وقد عُثر في الموقع على أدوات ووسائل مرتبطة بمراحل استخراج الخامات ومعالجتها وإنتاجها، ما يشير إلى أن المنطقة كانت ذات أهمية اقتصادية في فترات تاريخية مختلفة.
وخلال العصور الإسلامية، تحوّل الموقع إلى مركز اقتصادي ارتبط بمهن وحرف مختلفة، من بينها تجارة المعادن والعمل في استخراجها ومعالجتها، وهو ما يفسر وجود منشآت ذات طابع سكني وتجاري إلى جانب المنشآت الدينية.

وترى هيئة التراث أن نتائج أعمال التنقيب في الموقع تساهم في توسيع المعرفة بتاريخ منطقة الباحة، ولا سيما ما يتعلق بالمراحل المبكرة من الحضارة الإسلامية، وتكشف في الوقت نفسه عن تداخل الأنشطة الدينية والسكنية والتجارية والحرفية في موقع واحد.
ويأتي هذا الاكتشاف في إطار تكثيف أعمال التنقيب الأثري في السعودية خلال السنوات الأخيرة، بهدف توثيق المواقع التاريخية والكشف عن طبقات جديدة من تاريخ شبه الجزيرة العربية، خصوصاً في الفترات السابقة للإسلام والعصور الإسلامية المبكرة.